الثلاثاء 13 جمادى الثانية 1442 - 26 يناير 2021 - 06 الدلو 1399

 الاحتيال المالي .. وبريق الثروة الزائف

رامي القليطي

يُعرف الاحتيال المالي بأنه أي ممارسة تقوم على استخدام الخداع للحصول المباشر أو غير المباشر على الاستفادة المالية لمرتكب الجريمة أو تسهيل ذلك لغيره بحيث يؤدي ذلك إلى إلحاق الخسارة بالطرف الذي تعرض للاحتيال. ولا يقتصر الاحتيال على المنافع النقدية والمادية فحسب ،  فقد يكون بإغراء الضحية بالتنازل عن شيء ذي قيمة أو حق قانوني.

وهنالك فرق بين الاحتيال و غسل الأموال حيث إن الأخير يتم من خلاله معالجة "المال غير الشرعي" المكتسب من أنشطة إجرامية عبر النظام المالي حتى يكتسب صفة المال الشرعي الذي  يصعب معه الوصول إلى الشخص الذي قام بالعملية أو المصدر الإجرامي للأموال ، إلا أن الاحتيال وغسل الأموال يلتقيان حين يعمد المحتال بذكاء إلى غسل عائدات ممارساته الإجرامية.

ومن أمثلة عمليات الاحتيال وقوع الكثير من الأفراد ضحايا لإعلانات توظيف الأموال التي تقوم بها بعض المؤسسات والشركات المشبوهة، وهذه العملية لها بعدان أدنى وأعلى، فعلى المستوى الأدنى ومن خلال العلاقات يعرف الضحية من أقاربه وأصدقائه أن هنالك مشروعاً صغيراً يحصل أموالاً من الأفراد ويمنحهم أرباحاً طائلة، ويثق الضحية في المشروع ويدفع بأمواله إليه، وبعد الانتظام في دفع الأرباح له لشهور معدودة يفاجأ الضحية باختفاء صاحب المشروع و اختفاء الأموال معه .  أما على المستوى الأعلى فهنالك إعلانات لشركات كبيرة تمارس أنشطتها لعام أو عامين على هيئة شركة واسعة النطاق متعددة الأنشطة ، وبمجرد أن يودع الضحية أمواله يتم منحه ما يفيد أنه مساهماً في الشركة مع وعده بأرباح مغرية ، وبعد فترة  تتلاشى الشركة وتختفي ويقع المساهم المغرر به ضحية لإجرامها.

وقد برعت بعض شركات توظيف الأموال الوهمية وبعض المحتالين خارج المملكة في الاستفادة من وسائل التقنية حيث عززوا أساليبهم الاحتيالية من خلالها واستطاعوا عبرها بالوصول إلى عدد كبير من الضحايا والاستيلاء على أموالهم ، كما انتشرت في الآونة الأخيرة عشرات الإعلانات عن وعود زائفة باقتناء الثروات والأرباح الهائلة في عدة قطاعات وأبرزها  "العملات والمعادن" التي تستهدف المواطن الخليجي على وجه الخصوص، حيث استطاعت تلك الشركات الوهمية الإيقاع بضحايا كثيرين خُدعوا ببريقها الزائف وقاموا بتحويل أموالهم لحسابات دولية خارجية بطريقة قد يستحيل استرجاعها.

وعلى صعيد الإطار القانوني المتصل بجريمة الاحتيال ، فقد تمت الموافقة مؤخراً من قبل مجلس الشورى على مشروع نظام مكافحة الاحتيال وخيانة الأمانة و من المأمول إقراره من مجلس الوزراء، و تعد جريمة الاحتيال المالي وفقاً لقرار النائب العام من الجرائم الكبيرة موجبة التوقيف إذا كان مجموع الأموال يزيد على (20.000) عشرين ألف ريال مالم ينته الحق الخاص ، كما أن نظام مكافحة جرائم المعلوماتية أقر عقوبة على من تضمن فعله الإجرامي استخدام الحاسب الآلي أو الشبكة العنكبوتية كوسيلة للاحتيال، حيث نصت المادة الرابعة منه ( بأن يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على مليوني ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل شخص يرتكب أيًا من الجرائم المعلوماتية الآتية: (1) الاستيلاء لنفسه أو لغيره على مال منقول أو على سند، أو توقيع هذا السند، وذلك عن طريق الاحتيال، أو اتخاذ اسم كاذب، أو انتحال صفة غير صحيحة ).

وإذا اقترن الاحتيال بجريمة غسل الأموال أو كان جزءاً منها فيعاقب الجاني بموجب نظام مكافحة غسل الأموال (بالسجن مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز عشر سنوات، أو بغرامة لا تزيد على خمسة ملايين ريال أو بكلتا العقوبتين)  وتغلظ العقوبة وفق الحالات السبع التي نصت عليها المادة  27 من النظام و منها (ارتكابها من خلال جماعة إجرامية منظمة) .

كما نصت المادة 90 من نظام التنفيذ ( بأن يعاقب بالسجن مدة لاتزيد على خمس عشرة سنة كل مدين ثبت أن سبب مديونيته قيامه بعمل احتيالي ، أو قيامه بتبديد أمواله إذا كانت الأموال كثيرة ولو ثبت إعساره في الحالتين . وتعد هذه الأفعال من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف )، و أشارت الفقرة  90/1 من اللائحة التنفيذية ( بأن تشمل أحكام هذه المادة من جمع الأموال من الناس بغرض المتاجرة لهم وبددها ، أو استولى عليها ، أو أخفاها ).

ونخلص إلى أهمية تعامل الأشخاص مع المنشآت المالية المرخصة من قبل الجهات المختصة ، وعدم الانسياق خلف الدعايات المضللة والوهمية التي تدعي مضاعفة الثروات في زمن قياسي وجيز، والابتعاد عن إعلاناتها الجاذبة لبعض ضعاف النفوس من خلال بريق الثراء السريع، وهذا يؤكد على أهمية وضرورة نشر الوعي القانوني لدى كافة فئات المجتمع فإذا كان تطبيق القانون يُعد أمراً مهماً، فإن نشر الثقافة القانونية لدى شرائح المجتمع يُعد ذا أهمية كبرى للإلمام بنصوص القانون ومستجداته والبعد عن المزالق والابتزاز من جانب المحتالين ، كما يفترض تفعيل دور المحامي في كل الخطوات التي يعتزم الأشخاص القيام بها وفقاً لما هو متعارف عليه في كثير من الدول ، حيث تبرز أهمية المحامي في صياغة العقود والاستيثاق من وجود ومشروعية مثل هذه الشركات الوهمية التي تمارس عملية الاحتيال، وتوعية الأشخاص الذين ينخدعون وينساقون وراء سراب الحوافز الوهمية التي تقدمها تلك الشركات، بأن أموالهم قد تصل إلى جمعيات أو مؤسسات أو شركات مشبوهة أو محظورة أو إرهابية مما يعرضهم للمساءلة ويجعلهم تحت طائلة القانون.

محام ومستشار قانوني وموثق ومحكم قضائي [email protected]

    مقالات سابقة

المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

أضافه بندر بن حامد الصبحي في 01/10/2021 - 15:37

احسنت وجزاك الله خير مثل هذي الامور توضيحها باجتهاد كبير وتلخيص مفيد وواضح للجميع كل الشكر والتقدير ابا غسان وجعلها الله في ميزان حسناتكم

إضافة تعليق جديد

الفيديو