الأحد, 7 مارس 2021

هذا ما يحدث حينما يعمل أثرياء العالم عن بُعد

يبدو أنَّ الأثرياء اختاروا الانتقال إلى أماكن جديدة، فقد اشترى توم بريدي وزوجته جيزيل بوندشين عقاراً بقيمة 17 مليون دولار في جزيرة “إنديان كريك” في شاطئ ميامي، وذلك بهدف هدمه، وبناء منزل جديد مكانه. كما اشترى جاريد كوشنير وزوجته إيفانكا ترمب أرضاً على مقربة منهما، بقيمة 30 مليون دولار.

اقرأ أيضا

ووفقا لـ “بلومبيرغ” تردد مؤخراً أنَّ “شركة إليوت للإدارة” المختصة بصناديق التحوُّط ستنقل مقرّها من مانهاتن إلى جنوب فلوريدا، في حين ستفتح “مجموعة بلاكستون” العملاقة العاملة في مجال الأسهم الخاصة فرعاً لها هناك أيضاً، حسبما تناولته “الشرق”.

رؤوس الأموال المغامرة
وردت أنباء بأنَّ مجموعة “غولدمان ساكس” تعتزم نقل جزء من عمليات إدارة الأصول إلى فلوريدا، واللافت هنا أنَّ المنتقلين إلى فلوريدا لا يأتون من الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ففي الأشهر القليلة الماضية، انتقل صاحبا رؤوس الأموال المغامرة ديفيد بلامبرغ، وكيث رابيوس، من خليج سان فرانسيسكو إلى ميامي.

ودفعت حركة الانتقالات هذه بول غراهام، الرأسمالي والريادي في مجال الشركات الناشئة في وادي السيليكون لنشر تغريدة قال فيها “يتردد اسم ميامي كثيراً. ظننت في البداية أنَّ الأمر صدفة، ولكنَّ الموضوع يتكرر كثيراً، يبدو أنَّها أصبحت موجة جديدة.”

إيلون ماسك إلى أوستن
كذلك، تبدو مدينة أوستن رائجة هي الأخرى. فإيلون ماسك يعتزم الانتقال من لوس أنجلس إلى أوستن، التي تعدُّ قلب التكنولوجيا النابض في تكساس، إذ يتمُّ بناء معمله الجديد “سايبر تراك” بتكلفة أكثر من مليار دولار.

وأعلن لاري أليسون أنَّ شركة “أوراكل” ستنقل مقرّها من وادي السليكون إلى أوستن، في حين بدأ كلٌّ من الرئيس التنفيذي لـ”دروب بوكس” درو هيوستن، والرئيس التنفيذي لـ”سبلانك” دوغلاس ميريت، العمل للانتقال من منطقة خليج سان فرانسيسكو إلى هذه المدينة أيضاً.

اضطرابات هائلة
وعلى الرغم من أنَّ بعض السكان المحليين في المدن الباهظة، مثل نيويورك، ولوس أنجلس، وسان فرانسيسكو قد يفرحون للتخلص من بعض الأثرياء في مدنهم، إذ يحمِّلونهم مسؤولية ارتفاع الأسعار، واتساع فجوة عدم المساواة في مجتمعاتهم، إلا أنَّ هذه المدن نفسها قد تدفع في النهاية ثمن رحيل الأثرياء. فانتقال عدد قليل منهم قد يحدث اضطرابات هائلة في الوضع المالي للمدن.

فعلى سبيل المثال، حين انتقل ملياردير صناديق التحوُّط ديفيد تيبير من نيوجرسي إلى شاطئ ميامي، أحدثت مغادرته فجوة كبيرة في ميزانية نيوجرسي. ويقدِّر الخبراء أنَّ انتقال تيبير كلَّف المدينة ما يصل إلى 100 مليون دولار سنوياً (واللافت هنا أنَّ تيبير عاد مؤخراً إلى نيوجيرسي).

وتشير الأرقام إلى أنَّ ما يصل إلى 80% من ضرائب الدَّخل في مدينة نيويورك مصدرها 17% من سكان المدينة فقط، وهم من الفئة التي تتجاوز إيراداتهم السنوية 100 ألف دولار. وفي حال قرَّر 5% فقط من أولئك السكان الانتقال، فذلك سيسبب خسارة للمدينة بنحو مليار دولار (933 مليون دولار)، التي ستكون نتيجة خسارة الضرائب على الإيرادات.

ضرائب أقل
وفي ظلِّ الاختلافات الكثيرة في نظام الضرائب على مستوى الولايات، يمكن للأثرياء أن يوفِّروا الملايين، وأحياناً عشرات أو مئات الملايين من الدولارات، ببساطة من خلال الانتقال من ولايات ذات ضرائب مرتفعة، وهي بمعظمها ولايات زرقاء (ديمقراطية) إلى ولايات ذات ضرائب منخفضة، ومعظمها حمراء (جمهورية).

ولا تشترط بعض الولايات، مثل فلوريدا أن يمضي المقيمون حدَّاً أدنى من الأيام في الولاية، إنَّما عليهم أن يحذروا من إمضاء أيام كثيرة في ولايات ذات ضرائب عالية، مثل نيويورك وكاليفورنيا، إذ تقع مقرَّات شركاتهم. فمثلاً، في نيويورك، الحدّ الأدنى لعدد الأيام التي يتعيَّن قضاؤها في الولاية من أجل إلزام المقيم بدفع ضريبة دخل هو 184 يوماً.

وعلى المدى القصير على الأقل، ستستفيد بعض المدن من موجة الانتقال هذه، ولا يمكن لومها على سعيها لجذب الأثرياء. ففي ميامي، تتراوح الضريبة على العقارات ما بين 1.5 و2% من تقييم المنزل، وبالتالي؛ فإنَّ من سيشتري منزلاً بـ 30 مليون دولار، سيدفع نصف مليون دولار، أو أكثر كضريبة عقارية.

مصير المدن الكبرى
وبالرغم من المعاناة المتوقَّعة للمدن التي يهجرها الأثرياء نتيجة الفجوات الكبيرة في الميزانية، لكن لا يمكن اعتبار حركة الانتقالات هذه مؤشراً على اقتراب نهاية المدن الضخمة، مثل نيويورك أو سان فرانسيسكو. فمعظم أصحاب صناديق التحوُّط في نيويورك، وأصحاب رأس المال المغامر في منطقة خليج سان فرانسيسكو ينتقلون شخصياً دون أن ينقلوا مؤسساتهم.

وعلى الأرجح، ستبقى الشركات التي استثمروا بها، بالإضافة إلى الموظفين، في المدن الأصلية. فالقليل جداً من العمل الفعلي أو الإنتاج الحقيقي يتمُّ نقله، بل ما يتغيَّر هو عنوان سكن صاحب رأس المال.

وعلى المدى البعيد، ستحافظ هذه المدن على استدامتها المالية من خلال جذب جيل جديد من المواهب الإبداعية والابتكارية. ولكن في حال عدم تغيير السياسات، فإنَّ ميزانيات هذه المدن سوف تستنزف، وسيتحمَّل العبء الأكبر سكان الأحياء الفقيرة بفعل سياسات التقشف، والتخفيضات في الميزانية، وإلغاء بعض الخدمات الأساسية. وفي حال تدهورت الأوضاع، مثلما حصل في نيويورك في السبعينيات، قد يستغرق إعادة بناء الميزانية وقتاً طويلاً.

الأزمة الأعمق للظاهرة
وقد أسهم الوباء في توسُّع ظاهرة العمل عن بعد، مما منح الشركات المزيد من المرونة الجغرافية. إلا أنَّ حركة النزوح تلك جاءت على الأرجح نتيجة التعديلات التي أدخلها الرئيس السابق دونالد ترمب إلى القوانين الضريبية. فقانون الضريبة على المستوى المحلي، ومستوى الولاية “SALT” حدد سقفاً للضرائب على المستوى المحلي ومستوى الولاية التي يمكن خصمها من الضرائب الفدرالية.

وحتى وقت قريب، كانت الولايات ذات الضرائب المرتفعة لا تزال قادرة على منافسة الولايات ذات الضرائب المنخفضة، مما دفع بالسياسيين في الولايات الزرقاء للمطالبة بإلغاء السقوف التي حدَّدها ترمب، واستعادة القدرة على حسم الضرائب على المستوى المحلي، ومستوى الولاية.

في حين حذَّر بعض الخبراء الاقتصاديين التقدميين من أنَّ تمكين الأميركيين الأثرياء من التخلُّص من ضرائبهم على المستوى المحلي، ومستوى الولاية، ورأوا أنَّه “أمر رجعي”، وأشبه بإعفاء ضريبي بأكثر من 100 مليار دولار في السنة يستفيد منه الأثرياء.

وأدى هذا الوضع إلى نوع من السباق الذي بدأ بالفعل يلحق الأذى بميزانيات المدن الساحلية الباهظة. كما ينصح بعضهم باستبدال قانون “SALT” برصيد بنسبة 15% لصالح الضرائب على مستوى الولاية، والمستوى المحلي. وقد يتعيَّن على إدارة بايدن وهاريس مراجعة هذه الشؤون الضريبية تحت ضغط الديمقراطيين في المدن المتأثرة.

وبالرغم من أنَّه يوجد العديد من الأسباب التي تدفع إلى معارضة منح إعفاءات ضريبية للأثرياء، إلا أنَّ تأثير تكنولوجيا العمل عن بعد على الضرائب يستدعي المزيد من الدراسة والتدقيق على الأصعدة الحكومية كافةً. وفي حين يتمتَّع المزيد من الأميركيين، بالأخص الأثرياء منهم، بمزيد من المرونة حيال مكان العمل. سيتعيَّن على السلطات المحلية في المدن والولايات المختلفة، تطوير نماذج إيرادات جديدة تأخذ بعين الاعتبار مكان وجود الشخص، ومكان وجود شركته. فقدرة شخص ثري أن يعيش على بعد آلاف الكيلومترات من المكان الذي يعمل فيه، ويملك فيه الأصول، يحرم المدن من مورد حيوي إضافي.

وحين يتعلق الأمر باختيار مكان سكننا، غالباً ما نفكر بالمكان الأفضل لنا، ولكن يبدو أنَّ الأثرياء يخيِّبون آمال الكثير من المدن.

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد