الثلاثاء, 7 ديسمبر 2021

رؤية وطن يسابق الزمن

حين أعود بذاكرتي للوراء خمسة أعوام، أتوقف بفخر وإعجاب عند 25 أبريل من عام 2016م، حين استيقظ الوطن والعالم على خارطة طريق جديدة لمستقبل المملكة، رؤية طموحة تضع المملكة في المكان والمكانة التي تليق بها إقليميًا ودوليًا،وتعكس دورها البارز في مجموعة العشرين الاقتصادية، التي ترأستها المملكة بنجاح منقطع النظير في عام 2020م، وهو عام جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) وتداعياتها، التي كانت أكبر اختبار برهن على متانة وثقل المملكة اقتصاديًا وسياسيًا.

اقرأ المزيد

ولا شك أن رؤية المملكة 2030 متميّزة عن سائر خطط التحوّل التي أطلقتها مختلف الدول من حيث طموحها وشمولها وقدرتها على إطلاق مكامن القوة والقدرات والمزايا الإستراتيجية في البلاد. فقد حرص عرّاب الرؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، حفظه الله، على أن تتميّز بمنهجيتها العلمية المتمثّلة في محاورها الثلاثة، وأهدافها العامة الستة، وبرامجها الثلاثة عشر؛ وبالتالي مكّنت الشركات الوطنية بل وحتى الأجنبية العاملة في المملكة، من مراجعة إستراتيجياتها وخططها لتكون مواكبة للرؤية. وهي بذلك تجسّد بعمق ما عبّر عنه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، من طموحٍ كبيرٍ حين قال: “هدفي الأول أن تكون بلادنا نموذجًا ناجحًا ورائدًا في العالم على كافة الأصعدة”.

يحق لنا أن نصف الفترة الراهنة من عمر المملكة بأنها فترة النقلات النوعية والتحوّلات الكبرى في مختلف القطاعات، فخلال الأعوام الخمسة الماضية وفي إطار رؤية 2030 الطموحة، شهدت المملكة تقدمًا كبيرًا في بيئة الأعمال، إذ حلّت السعودية في المرتبة الأولى عالميًا في تقدم بيئة الأعمال لتتصدّر 190 بلدًا حول العالم، كأكثر دولة تقدمًا وإصلاحًا لبيئة الأعمال والاقتصاد وفق مؤشر سهولة ممارسة الأعمال الصادر عن البنك الدولي، وخلال 2020 تحققت طفرة هائلة في التحوّل الرقمي إذ حلّت المملكة في المرتبة 27 على مستوى العالم، وفي المرتبة الثامنة على مستوى دول مجموعة العشرين، في المؤشر الفرعي للأمم المتحدة في “البنية الرقمية التحتية”.

وبالوتيرة نفسها انتعش القطاع السياحي في المملكة، وشهدنا خلال الأعوام الماضية انفتاحًا سياحيًا على العالم، ونموًا كبيرًا في صندوق الاستثمارات العامة، بما يعزز تنوّع الاقتصاد، كما شهدنا انطلاق المشاريع الكبرى مثل نيوم والبحر الأحمر والقديّة، وإنطلاق مشاريع الطاقة المتجددة، إضافة إلى التحسّن الكبير في كفاءة الأجهزة الحكومية، ونمو القطاع غير الربحي، وتمكين المرأة، خاصة بعد القرار التاريخي للسماح لها بالقيادة.

ولا أكون مبالغًا إن قلت إن وجه الحياة قد تغيّر كثيرًا في المملكة وبوتيرة سريعة لا تُقاس بالأعوام والأشهر وإنما بالأيام والأسابيع، يشهد على ذلك من يزور السعودية ويقارن تحوّلاتها المذهلة التي يراها اليوم، بما كانت عليه قبل الرؤية، وتلك وتيرة البناء والتحوّل التي اعتمدتها المملكة، حيث كل يوم هناك إضافة جديدة عالية القيمة بفضل الله، ثم الرؤية الواعدة لمستقبل هذا الوطن.

وتفخر أرامكو السعودية بأنها محرك رئيس لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة وتطلعات قيادتنا الحكيمة؛ فاكتتاب الشركة الذي أُنجز في ديسمبر 2019م -وكان أكبر اكتتاب يشهده العالم في حينه- من أبرز الخطوات التي كان لها صدى إيجابي حول مصداقية الرؤية، والعزم على إنجاز أفكارها الطموحة، مما كان له تأثيره الإيجابي على توسع السوق المالية السعودية.

ولا شك أن الاستثمار في العنصر البشري يأتي على رأس أولويات أي رؤية تنموية تطويرية، يبرهن على ذلك برنامج تنمية القدرات البشرية في رؤية 2030، الذي تجاوبت معه أرامكو السعودية بإنشاء مجموعة من الأكاديميات لتدريب الكوادر الوطنية الشابة الموجّهة للقطاع الخاص، كما تم العمل بالشراكة مع جامعة الملك فهد للبترول والمعادن على بناء كلية جديدة لهندسة البترول وعلوم الأرض في الجامعة، وقد حققت الكلية الجديدة في العامين الماضيين مكانة مرموقة، وأصبحت من بين أفضل الكليات على مستوى العالم في مجال تخصصها حسب مقياس QS. ودشّنت أرامكو السعودية في وقت سابق هذا الشهر وبتعاون فريد مع مجموعة من الشركاء الوطنيين والدوليين، “أكاديمية التميّز المالي والمحاسبي”، وهي أول أكاديمية من نوعها في المنطقة لخريجي المالية والمحاسبة لهدف تطوير كفاءات متخصصة تثري القطاع المالي بالمملكة. ومن الأكاديميات المتميزة التي أنجزتها الشركة كذلك مركز الغوار في الأحساء لتعليم القيادة للسيدات، بما يُسهم في جهود تمكين المرأة في المملكة.

وتجاوبًا مع مستهدفات برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية في رؤية 2030، الذي يستهدف تحويل المملكة إلى قوة صناعية رائدة ومنصة لوجستية عالمية، أنشأت أرامكو السعودية مبادرات تُسهم في ترسيخ مكانة المملكة كمركز إستراتيجي، يوفر بيئة مشجعة للاستثمار في قطاع خدمات الطاقة على الصعيدين المحلي والدولي، مثل تطوير مدينة الملك سلمان للطاقة (سبارك)، ومجمع الملك سلمان العالمي للصناعات والخدمات البحرية في رأس الخير، إضافة إلى مبادرات مستقبلية تشمل زيادة إنتاج الغاز كمبادرة تطوير حقل الجافورة العملاق، وإنتاج وتسويق الهيدروجين الأزرق.

أما برنامج تعزيز القيمة المُضافة الإجمالية لقطاع التوريد في المملكة (اكتفاء) وهو برنامج تعتز به أرامكو السعودية كثيرًا، فيعتبر نموذجيًا بين برامج توطين الصناعات والخدمات، حيث حقق نجاحات ملموسة خلال الأعوام الخمسة الماضية، أما أهدافه فتنسجم تمامًا مع المستهدفات التي أكدتها الرؤية ، فيما يتعلق بتعزيز المحتوى المحلي وتوليد فرص عمل وتحفيز نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وفي إطار زيادة الاستثمار الأجنبي وتعزيز دور القطاع الخاص، قامت أرامكو السعودية باستهداف شركاء من دول تهم المملكة ولها شأن في بلادها والعالم، ومن أبرزها إنجاز شراكة مع شركة “جوجل” في مجال الحوسبة السحابية والتحول الرقمي، وشركة “بيكر هيوز” لتصنيع أنابيب اللدائن الحرارية المقواة، وشركة “رايثيون”لتوطين خدمات الأمن السيبراني. وهذه الفرص تتوافق أيضًا وبشكل إستراتيجي مع برنامج “شريك” الذي أطلقته المملكة أخيرًا.

المبادرات والمشاريع عديدة بفضل الله، وقد أبرمت الشركة مؤخرًا، واحدة من أكبر صفقات البنى التحتية في قطاع الطاقة العالمي بقيمة 12.4 مليار دولار، مع ائتلاف بقيادة (إي آي جي) أحد أبرز المستثمرين العالميين، لتحقيق القيمة المثلى لأصولها وتعزيز هيكل رأس المال القوي من خلال اتفاقية استئجار وإعادة تأجير متعلقة بشبكة خطوط أنابيب الشركة للزيت الخام المركز، وذلك ما يمثّل نقلة في مجال الاستثمار المرتبط بتحسين محفظة أعمالنا.

تُشكل هذه الصفقة التاريخية نقلة في مجال الاستثمار المرتبط بتحسين محفظة أعمالنا، من خلال الاستفادة من الفرص الجديدة التي تتوافق أيضًا وبشكلٍ إستراتيجي مع مبادرة برنامج “شريك”، لتعزيز استثمارات القطاع الخاص واستقطاب رأس المال الأجنبي. كما ستساعد في تعظيم العوائد لمساهمينا. وسيستفيد شركاؤنا على المدى الطويل في هذه الصفقة من الاستثمار في واحدة من أقوى وأهم البنى التحتية على مستوى العالم. وبعون الله، سنواصل استكشاف واقتناص الفرص التي تدعم إستراتيجيتنا الهادفة لخلق القيمة على المدى الطويل”.وتفاعلًا مع النمو الملحوظ في المشاريع الكبيرة التي تتطلب خبرات هندسية بمستويات عالمية، أنشأت أرامكو السعودية شركة “جسارة” بالاشتراك مع صندوق الاستثمارات العامة وشركة جاكوبس الهندسية، وهي شركة معنية بتقديم استشارات إدارة مشاريع الإنشاءات والبنية التحتية في المملكة، مع إمكانية التوسع لاحقًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وعلى الصعيد البيئي، لدى الشركة برامج التنوع الاحيائي في المحميات التي لديها، إضافة إلى تجاوب أعمال أرامكو السعودية مع جهود ومبادرات قيادتنا الحكيمة، وأحدثها مبادرتي “السعودية الخضراء” و”الشرق الأوسط الأخضر”.

ولتنمية الإبداع وتعزيز المعرفة وجودة الحياة، يسهم مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) الذي طورته وتديره أرامكو، وافتتحه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، في ديسمبر 2016، بدور إيجابي ملموس في إقامة الفعاليات والمواسم الثقافية التي تدمج مجالات الفنون والتعليم بالترفيه، وهو منصة كبرى لتطوير أجيال المستقبل، وقد اعتبرته مجلة التايم من أهم 100 موقع في العالم.

من حقنا أن نفخر برؤية وطن يسابق الزمن، نحو غدٍ مشرق للجميع، نهنئ أنفسنا وقيادتنا الحكيمة على ما تحقق على أرض الواقع، وسنظل دائمًا وأبدًا نفخر بأن أرامكو السعودية صفحة مهمة في كتاب هذا الوطن، وستحرص على مضاعفة الجهود لتحقيق كل مستهدفات رؤيتنا الوطنية الطموحة بمشيئة الله.

رئيس أرامكو السعودية وكبير إدارييها التنفيذيين

ذات صلة Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المزيد