الأحد, 9 مايو 2021

إشراقة الرؤية ومكافحة الفساد

في عام 2016، تم الإعلان عن رؤية 2030. كانت بمثابة حقبة جديدة في تاريخ المملكة، وانقسمت الآراء بين من هو مستبشر بهذه الرؤية وبين من شكك في التطبيق. كان من أهم الخطوات التي تقود إلى نجاح تطبيق رؤية 2030، هو مكافحة الفساد. لذلك، صدر الأمر الملكي بتشكيل لجنة إشرافية لمكافحة الفساد، وفتح دوائر للتحقيق في قضايا الفساد في النيابة العامة. في يوم ٤ نوفمبر 2017، عندما كنت أقود السيارة في أرض الابتعاث، وإذا إذاعة NPR News تعلن عن خبر هز العالم، ألا وهو بداية حملة مكافحة الفساد في المملكة بشكل فعلي، بدأ باعتقال شخصيات هامة في المجتمع السعودي، وأن عصر رؤية 2030، بدأ بشكل فعلي. وها هنا بدأت مرحلة الحزم والعزم؛ لأخذ المملكة لمصاف دول العالم، على يد والدنا سيدي خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- وولي عهده الأمين الملهم، الأمير محمد بن سلمان -وفقه الله- الذي وعد فصدق عندما قال في إحدى حواراته التلفزيونية: “لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد أيا من كان، لن ينجو وزير أو أمير، أو أي شخص تتوفر عليه الأدلة الكافية سوف يحاسب”.

اقرأ أيضا

ومن هنا أشرقت أهم الخطوات لمكافحة الفساد. أولها وأهمها هو مساعدة الجهات الرقابية على إنفاذ القانون، والضرب بيد من حديد على من يرتكب جريمة من جرائم الفساد المالي والإداري. فعند دراسة أوضاع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، فعلى الرغم من أنها متصلة اتصالًا مباشرًا بالملك، إلا أنها لم تكن تؤدي الدور المفترض أن تؤديه، ويعود ذلك الأمر إلى أنه لم يكن لديها الصلاحيات التي تسمح لها مباشرة قضايا الفساد والتحقيق فيها. لذلك، في نهاية عام ٢٠١٩، صدر الأمر الملكي القاضي بضم هيئة الرقابة والتحقيق والمباحث الإدارية إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، لتصبح هيئة الرقابة ومكافحة الفساد. كانت هذه الخطوة عظيمة ودليلًا صارخًا على أن الرؤية ليست حبرًا على ورق، بل إن الرؤية هي عبارة عن أهداف وطنية طموحة وسامية، تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيقها، ولا تقبل التنازل عنها، ولكن الوسيلة للوصول للأهداف هي التي يتم تغييرها، وتهذيبها حتى تخرج بشكل نهائي يناسب تحقيق الأهداف. وهذا ما حدث عندما منحت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد صلاحيات التحقيق الجنائي في القضايا الجنائية المتعلقة بالفساد المالي والإداري، والادعاء فيها، ونتيجة لذلك رأينا آلاف القضايا التي أعلنت عنها الهيئة، واسترداد مبالغ كبيرة لخزينة الدولة. كما أن المملكة خلال قمة العشرين، أقامت أول اجتماع لوزراء مكافحة الفساد، والذي اهتم بتبني أول مبادرة من نوعها في هذا المجال، من خلال إنشاء شبكة عمليات عالمية لسلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد، مثل الشبكة العالمية لإنفاذ القانون، وشبكة موظفي إنفاذ القانون. كما تم التركيز على موضوع التعاون الدولي في التحقيقات في قضايا الفساد، وملاحقة مُرتكبيها داخل وخارج حدود الدولة، بما في ذلك، تلك القضايا التي يُتطلب فيها استرداد عائدات الجريمة، ودعم هذه المبادرة ماديًا ومعنويًا.

لم تقف الرؤية عند هذا الحد، بل على العكس، حملة مكافحة الفساد ليست فقط لمنع المخالفات والسرقات والاختلاسات من الأموال العامة، بل هي حملة تهدف إلى رفع مستوى الخدمات العامة، وتحسين جودة حياة المواطن. لذلك، بالإضافة إلى السعي الجاد لتجفيف ينابيع الفساد من خلال إعادة هيكلة المؤسسات. ها نحن نرى صدور نظام التخصيص، والذي يتضح من خلال قراءته، أنه حاول بقدر الإمكان تلافي عيوب التخصيص، التي عانت منها الدول الغربية عندما بدأت بتطبيقه، وأن الهدف هو رفع مستوى الخدمات، وزيادة موارد الدولة وتنويعها. كذلك نرى المحاولات الجادة لحوكمة القطاعات بكافة أشكالها، إذ إن الحوكمة لها علاقة بشكل مباشر وغير مباشر، هي أنها تعني الإدارة الرشيدة للمؤسسة، ومنع وقوع تعارض المصالح، واتخاذ القرار بما يحقق مصلحة أصحاب المصلحة من هذه المؤسسة، وتعزيز الشفافية والمساءلة في حالة المخالفة للوائح الداخلية أو قوانين الدولة، والرقابة الداخلية، ومفاهيم مختلفة جميعها تصب في مصلحة مكافحة الفساد، وتعزيز النزاهة في المملكة العربية السعودية. وكل هذه الجهود نراها في مؤشر مستوى الفساد التابع لمنظمة الشفافية، حيث إن المملكة احتلت المرتبة ٥٢ خلال عام 2020، وهذا يقيس تقدمها ٩ مراتب منذ عام 2012.

ليست هذه نهاية قصة مكافحة الفساد، إذ إن المنظومة التشريعية الجديدة أيضا لها أهمية كبيرة في مكافحة الفساد في السلطة القضائية، ومحاولة منع وقوع أي محاباة مع القضاة لإصدار أحكام تتوافق مع مصلحة أحد الأطراف بغير حق. فمشروع المنظومة التشريعية يعني أن الأحكام ستكون قابلة للتنبؤ، وهذا يعني عدالة أكثر، وتحقيق المصلحة العامة من خلال رفع مستوى نزاهة القضاء، خصوصًا عندما يكون هناك قوانين مكتوبة ومقننة، فيتضح من هو القاضي العادل والنزيه. كذلك كلما ارتفعت معدلات نزاهة القضاء، وكلما كانت الأحكام قابلة للتنبؤ؛ فهذا يعني مستقبلًا اقتصاديًا واعدًا، حيث إن ذلك سيجذب أي مستثمر لأرض المملكة المليئة بالخيرات.

إذًا، قصتنا لمكافحة الفساد هي ليست من أجل الحد من استغلال المال العام، أو الحد من الجرائم المالية والإدارية. إنما هي قصة حاضر ومستقبل باهر زاهر بإذن الله، في ظل قيادتنا الرشيدة. من خلال هذا الموجز، نجد أن الأهداف هي نصب أعين قيادتنا، ولكن عندما لا تنجح الوسيلة للوصول للهدف، يستبدل بوسيلة أفضل. فكما يقال، إن صعب عليك الوصول للهدف، لا تغير أهدافك، وإنما غير طريقة السير إليها، وهذا ما نراه في واقعنا اليوم.

أستاذ مساعد في كلية حقوق ومختصة بالقانون الإداري وقوانين حوكمة القطاع العام ومكافحة الفساد

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد