الجمعة, 14 مايو 2021

الرؤية السعودية في عامها الـ 5 .. قراءة من زوايا متعددة

سوف أحاول جهدي أن يكون في حروفي مساحة من الضوء، أحاول فيها قراءة الرؤية السعودية ٢٠٣٠ من زوايا متعددة، ومهمة جدًا في مسيرتنا المستمرة، وهي رؤية تربط المستقبل بالماضي، وتصنع حاضرًا بفكر وعمل طموح.

اقرأ أيضا

إن هذه الرؤية تستمد جذورها من أساس راسخ على أرض الجزيرة العربية، مهبط الوحي، ومصدر الرسالة السماوية، التي أتى بها سيد البشر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

وعليه، نحن نتحدث عن كيان أثبت التاريخ بناءه الصلب، فالمتتبع لتاريخ المملكة العربية السعودية يجد أنها دولة قابلة للاستدامة والاستمرار؛ لأنها تستمد قوتها من نهجها السليم، وعدالة الحكم، وحسن المقاصد، والعدل والمساواة منذ وضع الإمام محمد بن سعود رحمه الله اللبنة الأولى لهذه الدولة، التي صمدت أمام كل العواصف السياسية والاجتماعية، وبقي روح هذه الدولة وكيانها حيًّا لا يموت رغم كل الظروف.

والمملكة العربية السعودية الحديثة تبدأ مع مؤسسها، ذلك الرجل الأسطورة، والرمز السياسي والديني، والقائد الذي حباه الله بصفات متعددة، قَلَّ أن تتوفر في رجل واحد، الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل -رحمه الله-، الذي استطاع بحنكته أن يوحد شتات هذه الجزيرة في كيان واحد، رغم اختلاف المشارب والمذاهب والمناطق، واستطاع ببعد نظره أن يصنع من كل أسرة وقبيلة ومنطقة طرفًا مهمًا في بناء هذه الدولة، وبالتالي شارك الجميع في معارك التوحيد.

واليوم يجني الجميع دون تفرقة أو عنصرية رخاءً وأمنًا واستقرارًا فريدًا من نوعه، رغم مراهنة الأعداء على عكس ذلك، ويدرك الأعداء قبل غيرهم أن هناك أسبابًا ومسببات، وعناصر متنوعة قد لا يراها البعض، لكنها سبب رئيسي في التماسك والإخاء، والارتباط بأسرة كريمة استطاعت أن توحد وتلم شمل الجميع تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، إن هذه الراية تختصر سر الدوام والاستمرار؛ لأنها الثقافة التي يلتف حولها الجميع، والرابط الذي لا يضاهيه أي رابط، حتى لو كان ماديًا، وبالتالي عجز الأعداء عن اختراق هذا التلاحم العظيم.

أتى اكتشاف النفط ليزيد من حجم الرفاه الاجتماعي وسهولة الحياة، وازدادت الأعداد، وعشنا استرخاءً فكريًا وماديًا طيلة سنوات عديدة.

واليوم دخلنا عصرًا آخر، يتزامن مع زيادة في السكان، من مواطنين ووافدين، وفي عصر اتسم بالسرعة والتطور السريع، وأصبح الوضع الاجتماعي، والمتغيرات الدولية، ونمط الحياة الذي يختلف باختلاف الأجيال، وهذا أمر طبيعي، إنما لا بد من الوعي به، وإدراك متطلباته، وإلا سيكون هناك فراغ في شتى المسارات.

وقد أدرك خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز ذلك، وهو ما يسمى في الفيزياء الفراغ الذي لا بد من التنبه لملئه، وهو حزمة مكثفة من القرارات والأنظمة، لا يمكن أن تكون إلا برؤية وطنية، ومهندس يقود جيشًا من العقول الشابة والخبيرة، وإلا فإن الجهود السابقة في هذا البناء ستتآكل بفعل الاتكالية المالية، والاسترخاء الذي خلفه الدخل النفطي طوال عقود، والنتيجة ما يسمى في عالم الاقتصاد بالمرض الهولندي.

جاءت الرؤية السعودية ٢٠٣٠ لتؤكد أن طموح هذه الدولة وتجددها لا ينضب، إن في مخزونها من ثروات أو في قدرات أبنائها وشبابها، والذي يمثلهم مهندس الرؤية الذي اختاره خادم الحرمين الشريفين كقائد ومهندس لرؤية وطنية، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد -حفظه الله-، ومن حسن حظنا أن هذا المهندس جاء في وقت والعالم كله تقريبًا في وضعية تشكل جديدًا؛ بسبب ثورة المعلومات والاتصالات، ومتغيرات القوى العظمى الاقتصادية والسياسية تبعًا لذلك.

بل إن سموه يدرك تمامًا أن الزمن -كما يقال- نهر قديم يعبر العالم منه منذ الأزل، وأن الوقت أهم ثروة لصانع النجاح، فكل شيء ممكن أن نجد له بديلًا في الغالب، لكن لا تستطيع أي قوة ضاربة في الأرض أن تعطيك دقيقة واحدة من الوقت!، خاصة كما أسلفنا فإن الرؤية الوطنية تستمد جذورها من تراث عريق، وتصنع قالبًا مهمًا يضم مسارات متعددة، درست بعناية فائقة، وبطموح يلامس عنان السماء، ونظرة ذات أفق طويل في استشراف المستقبل، وترتيب الوضع الداخلي اقتصاديًا واجتماعيًا.

وأجزم أن الوقت سيجود علينا كذلك في المنظور المتوسط بتطور في مجالات متعددة نضاهي العالم بعدالتها ورقيها، تطور في شتى المجالات دون استثناء، الفرق فيه أنه نحن من يفصله ليتناسب وثقافتنا وأسلوب حياتنا، نابع من أرضنا وبيئتنا، وليس نظامًا طُوِّر في دول تختلف عنا جوهريًا في كل المجالات، وبالتالي فلن يُكتبَ له النجاح لأنه لم يفصل لنا، وبإذن الله لن نسقط في شباك التبعية، بل سنجد حلولًا نابعة من تربتنا.

وبالتأكيد، مسيرتنا لن تخلو من بعض الآثار السلبية، وهذا أمر طبيعي في كل الخطط الاقتصادية العالمية، والفرق هنا هو تصحيح الأخطاء، والتواضع بالاعتراف بها، وإذا كان لي من ملاحظة فهي أن هذا الكيان تأسس بمشاركة الجميع، والذي يمثلهم اليوم جميع المحافظات والمراكز التابعة لها، وأتمنى من الرؤية أن تتبنى خطة للنهوض بالمراكز المختلفة في شتى أنحاء الوطن، من خلال اعتماد معايير اقتصادية لدور رؤساء المراكز في كل محافظة، والسعي لوجود كيان اقتصادي إنتاجي في كل مركز، يكفل العمل لأبناء وبنات المراكز في كافة المحافظات، من خلال الميزات التنافسية لكل محافظة ومركز، وبلادنا تزخر -بفضل الله- بشتى الميزات التنافسية في مجالات متنوعة وعديدة.

وأختصر هنا مقتطفات من أقوال سمو ولي العهد -حفظه الله- الذي يقول فيها:

”رؤية 2030 هي خطة جريئة قابلة للتحقيق لأمّة طموحة. إنها تعبر عن أهدافنا وآمالنا على المدى البعيد، وتستند إلى مكامن القوة والقدرات الفريدة لوطننا. وهي ترسم تطلعاتنا نحو مرحلة تنموية جديدة، غايتها إنشاء مجتمع نابض بالحياة، يستطيع فيه جميع المواطنين تحقيق أحلامهم وآمالهم وطموحاتهم في اقتصاد وطني مزدهر“.

أختم بالقول: إن لكل هدف طريق، ولكل طريق لا بد من مركبة؛ حتى نصل إلى هذا الهدف.. وعليه أقول: إن مركباتنا الأهم هي الأمن والاستقرار، وبدون الأمن والاستقرار لن يتحقق أي شيء، والأمن يستمر ويتواجد مع ثقتنا بدولتنا وولاة أمرنا والتفافنا حولهم، والإدراك والوعي أننا أمة مستهدفة في عقيدتنا، وعدونا يدرك كثيرًا قوتنا العظيمة في ثقافتنا وترابطنا؛ وبالتالي فإنه يخوض معنا الحرب في أكثر من ميدان، والهدف هو منع طموحنا الكبير الذي سيصنع منا على مر الزمن دولة عظيمة، ورقمًا صعبًا على مستوى العالم، لذلك فنحن نتطلع إلى هذه الرؤية كفرصة نادرة يتحقق فيها ما نتمنى، وهو حضارة دولة كبرى، تقوم على أساس من التعادل بين الكم والكيف، والروح والمادة، وترتكز على عمودين رئيسيين: اقتصاد قوي، وثقافة عريقة، تختصرها رايتنا الخفاقة (راية لا إله إلا الله محمد رسول الله).

رئيس شركة أبناء محمد السعد العجلان

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد