الأحد, 16 مايو 2021

الطاقة مع الذكرى الخامسة لانطلاق الرؤية

– انطلقت رؤية المملكة 2030 في عام 2016 فيما كان متوسط سعر خام برنت 44 دولارًا، قبل أن يصل إلى 54 دولارًا في عام 2017، ثم 71 دولارًا في عام 2018، ليهبط إلى 64 دولارًا في عام 2019، ثم أكمل التراجع وصولا إلى 42 دولارًا في عام 2020.

اقرأ أيضا

– يظهر جليًا أن أسعار النفط لم تكن في مستويات مرتفعة مثل الأعوام التي سبقت إطلاق الرؤية، فالأسعار في الأعوام من 2011 إلى عام 2014 كانت أعلى من الأسعار التي سادت بالتزامن مع بدء الرؤية المستمرة نحو أهدافها الموعودة في عام 2030. وفضلًا عن تدني أسعار النفط في الخمسة أعوام الماضية، مر العالم بأزمات اقتصادية تمكنت المملكة من إدارتها بحكمة، بينما انهار عدد من كبريات الاقتصادات في الوقت الذي نجحت فيه الحكمة السعودية، فالمملكة العربية السعودية هي مملكة الحكمة قبل أن تكون مملكة النفط والطاقة، تعمل بخطى ثابتة نحو المستقبل وتجاوز كل التحديات.

– برز ضمن أهم أهداف واستراتيجيات رؤية 2030 إيجاد مصدر دخل مستدام وجديد، بدلًا من الاعتماد على النفط، في خطوة من شأنها أن تحمي الميزانية من التقلّبات الحادّة في الأسعار، والتي كان لها أثرها السلبي على كفاءة الإنفاق الحكومي، وعلى الميزانيات السابقة قبل الشروع في الرؤية السعودية 2030.

– جاءت الرؤية بإصلاحات اقتصادية شاملة، وبانعتاق ميزانيات المملكة من تقلّبات أسعار النفط، مع تفعيل أهداف رؤية 2030 التي من شأنها التصحيح الاقتصادي بتخفيض الاعتماد على النفط، لتأتي رؤيتنا الطموحة بإنجازات على أرض الواقع. جاءت ميزانية المملكة بعد بزوغ فجر الرؤية بالتدرج الفعلي في خفض الاعتماد على النفط والوقاية من تقلبات أسعاره. كان الركون إلى تقديرات أسعار النفط أساسًا عند تقدير الميزانيات المالية سابقا، ورأينا تقلبات واضحة في أسعار النفط.
– ميزانية عام 2017 كانت أول ميزانية يتم الإعلان عنها عقب إطلاق الرؤية، بدأت عندها وقاية الموازنة المالية من تقلبات الأسعار، بدأت الأخذ في الحسبان التحفّظ الشديد في تقدير الأسعار والوقاية من تقلباتها الحادّة، التي كانت تؤثر على ميزانيات المملكة سابقا.

– ميزانية عام 2018 جاءت مُجسدةً للثقة في التصحيح، ومحاربة الفساد بإجراءات مُتّخذة لتحقيق كفاءة الإنفاق، والحوكمة المالية والشفافية؛ لتحقيق التوازن المالي بتنمية الإيرادات غير النفطية، مع استمرار التحفّظ الشديد في تقديرات أسعار النفط.

– ميزانية 2019 جاءت بعجز أقل، وإنفاق تاريخي، وميزانية توسعية بمشاريع تنموية، تُسهم في الناتج المحلي وتوليد الوظائف، بالرغم من هبوط أسعار النفط قريبا من نصف متوسط الأسعار للأعوام 2011، 2012، 2013، و2014، قبل تبدل الحال بعد ذلك.

– جاءت ميزانية 2020 بمزيد من الإنفاق لدعم مشاريع الرؤية الضخمة؛ لتعزيز الإيرادات غير النفطية، مع الاستمرار في التركيز على تنويع الإيرادات غير النفطية، حيث لوحظ بالفعل انخفاض الإيرادات النفطية، ولكن ذلك لم يؤثر على الإنفاق الحكومي كما كان في السابق، بل انعكس إيجابًا على مراعاة ضبط الإنفاق، وتحسين كفاءة الإيرادات الحالية، وهذا يعني أننا بدأنا بخطى ثابتة مع الرؤية، ودخلنا في مراحل متقدمة من علاج الإدمان النفطي، لأننا أصبحنا نتمتع بِنُضْجٍ ذَكِيٍّ، وتخطيط مدروس في إدارة الموارد المالية، مما يؤكد على العمق الاستراتيجي للرؤية.

– ‏أحدثت الجائحة صدمات ‎اقتصادية يعاني منها العالم أجمع، إلا أن برامج ومبادرات ‎الرؤية مستمرة، وأسهمت بشكل جذري في تعزيز الحوكمة والشفافية، وتطوير السياسات والإجراءات، وسد الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها الفساد، وقياس الأداء، وإعادة هيكلة بعض الأجهزة الحكومية هو إنجاز عظيم للرؤية.

– أتت جائحة كورونا بمتاعبها الصحية، وتحدياتها الاقتصادية لكل العالم وبلا استثناء، وكانت للمملكة فرصة للتأكيد على مصداقية وموثوقية رؤيتنا الطموحة على أرض الواقع، خاصة في العلاج من الإدمان النفطي، وكما رأينا ما حدث في تقلبات أسعار النفط بسبب الظروف القاهرة التي يعيشها العالم.

– المؤشرات إيجابية على أن استراتيجية المملكة لتنويع مصادر الدخل تسير وفق المأمول لها بفضل رؤيتها الطموحة، حيث تمكنت بشكل فعلي من خلق نوع من التنوع الاقتصادي، كما أوضح سمو ولي العهد قبل أسبوع أن الحكومة السعودية تعمل جاهدة لتنويع الاقتصاد، وهذا استدعى إجراء إعادة هيكلة واسعة لتعزيز الإيرادات غير النفطية، والتي ارتفعت من 100 مليار ريال في عام 2015 إلى 360 مليار ريال في عام 2020، على الرغم من تأثير الجائحة العام على العديد من القطاعات غير النفطية.

– جاءت الرؤية بوضع خارطة طريق واضحة للطاقة في المملكة، باستراتيجية تعمل على توفير النفط ومشتقاته من الحرق لتوليد الكهرباء، والتركيز على إنتاج الكهرباء من الغاز والطاقة المتجددة، مع رفع كفاءة قطاع الكهرباء، ورفع المحتوى المحلي.

– مع بداية انطلاق الرؤية عام 2016 كانت بداية هندسة اتفاقية أوبك بلس، والتي بدأت مطلع عام 2017، ونجحت المملكة بقيادة كبار المنتجين داخل منظمة أوبك وخارجها للاتفاق على استراتيجية الإنتاج لموازنة أسواق النفط، وامتصاص الفائض من المخزونات. لم يعِ العالم أهمية أوبك بلس حتى نجحت في أكبر خفض لإنتاج النفط لاحتواء أكبر صدمة للطلب على النفط في التاريخ، مع تداعيات الجائحة على الطلب على النفط.

– نجاح سعودي جديد لقيادة المملكة لمجموعة العشرين أنقذ الاقتصاد العالمي في أصعب الظروف، بعد أن قادت منتجي أوبك بلس للاتفاق على أكبر خفض للإنتاج على مدى تاريخ إنتاج النفط بتخفيض 9.7 مليون برميل يوميًا، يستمر على مدى سنتين بالتدرج في التخفيض؛ لامتصاص أكبر صدمة تسببت بها عملية انخفاض الطلب على النفط ومشتقاته؛ جرّاء تأثير تفشي فيروس كورونا، للاستجابة السريعة لمتغيرات السوق، وتدنّي الطلب العالمي على النفط؛ نتيجة لتفشي فيروس كورونا، والحاجة إلى احتواء أكبر صدمة على الطلب منذ الأزمة المالية عام 2008.

– يُمثل هذا الخفض التاريخي التزامًا على مدى عامين كاملين بنسب تخفيض متساوية لجميع منتجي أوبك بلس باستراتيجية خفض إنتاج مستدامة تستمر حتى أبريل 2022، بدءًا من انخفاض قدره 9.7 ملايين برميل يوميًا خلال شهري مايو ويونيو عام 2020، ثم خفض 7.7 ملايين برميل يوميًا للنصف الثاني من عام 2020، ثم خفض 6 ملايين برميل في اليوم للأشهر الـ 16 المتبقية حتى أبريل 2022؛ بهدف موازنة أسواق النفط على المدى المتوسط بدلًا من العمل على انتعاش قصير الأجل.

– نجحت المملكة نجاحًا تاريخيًا تمخّض عنه أعمق اتفاقية لتخفيض الإنتاج على مدى تاريخ صناعة النفط؛ بانضمام كبار منتجين لأول مرة في التاريخ بتعاون تاريخي، هذا النجاح الهائل ليس لأن المملكة الأعلى تصديرًا للنفط، بل لأنها الأعلى تصديرًا للموثوقية والمصداقية والحكمة والمواقف تجاه مصالح الجميع، قبل أن تكون أكبر مُصدر للنفط.

– حققت الاتفاقية مستويات غير مسبوقة من الامتثال للاتفاق التاريخي، وجاءت بتحقيق الاستدامة في توازن أسواق النفط على المدى المتوسط وليس على المدى القصير، حيث يبقى هدف المملكة هو ضمان أمن الطاقة العالمي من خلال توازن السوق، ثم الاستدامة في الأسعار، وضمان استمرار الإمدادات، حيث شهدت أسواق النفط تأثيرًا ملموسًا تدريجيًا بتقليص التخمة واستنزاف المخزونات النفطية.

– من أحد أهم إصلاحات الرؤية هو طرح أرامكو السعودية، والذي كان محط شد وجذب من وكالات الإعلام العالمية، ولكن حقق الطرح نجاحًا كبيرًا، وتحققت هذه الرؤية والاستراتيجية الحكيمة وبُعد النظر على يد خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- في المرحلة التي يُعتبر الاكتتاب فيها مناسبًا.

– شُمول إصلاحات الرؤية لطرح جزء يسير من أرامكو السعودية جاء في وقت مفصلي، تحتاجه الشركة لتأمين مستقبلها؛ لأنها لم تعد منظومة معزولة عن محيطها الخارجي، وبعيدة عن الرقابة والتقييم المستمر. وأخيرًا فُتح الصندوق الأسود كما وعد ولي العهد.

– جاء طرح جزء يسير من شركة أرامكو السعودية لضمان ديمومة هذا العملاق بالحيوية والكفاءة المطلوبة، وهذا لا يتحقّق إلا بأن تظهر كشركة تجارية طبيعية، بقوائم مالية مُعلنة، وبقيادة إدارية مُحترفة، تعي تمامًا أن هناك من يتابعها بدقة، ومجلس إدارة مُستقل، وجمعية عُمومية تُقيّم وتُتابع؛ مما يجعل الشركة تهتم أكثر بنوعية الطاقم الإداري فيها ومخرجاته.

– أحد أهم أهداف طرح أرامكو السعودية هو تفعيل الشفافية، ومراقبة أرامكو بشكل مُكثّف. هذا ما ذكره عرّاب رؤيتنا، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- مما سيُفعّل الدور المفصلي في الحوكمة ورفع كفاءة الأداء؛ ومن ثم تحسين ربحية أرامكو بالرغم من أنها الأعلى ربحية عالميًا.

– طرح أرامكو السعودية ضروري كاستجابة لمتطلبات المرحلة، ولتحسين الأداء والكفاءة، من خلال رفع مستوى الحوكمة والشفافية، والذي سيعظّم الربح، ويُمكّن الاستدامة المستقبلية. طرح أرامكو السعودية يُعتبر أهم التحركات على مدى تاريخ صناعة النفط بالمملكة للحفاظ على مصدر الدخل الأساسي، وحمايته من احتمالية أي فساد أو هدر مالي، أو ترهّل إداري.

– اليوم نرى أن رؤية السعودية 2030 التي تُركّز في المقام الأول على تحضير المملكة لتتبوأ مكانتها في عالم الغد كوننا ضمن أقوى اقتصادات العالم، أصبحت أرامكو السعودية من ضمن الملفات التي شملتها إصلاحات الرؤية. الموضوع هنا يتعدى المنظور المادي -الذي يعتقده الكثير- بحكم مكانة المملكة كالمُورّد الأعلى موثوقية والعامل الأساسي لاستقرار الاقتصاد العالمي.

– استدامة أسعار النفط بغض النظر عن أكبر هجوم على مرافق النفط في التاريخ. حتى مع حدّة الهجمات على مرافق النفط في بقيق وخريص عام 2019، تم الحفاظ على توازن السوق واستدامة الأسعار، والاستدامة هي ما يحتاجه المنتجون والمستهلكون. في الماضي كانت مثل هذه الأحداث تخل بالتوازن، وتسبب اضطرابات كبيرة في السوق، ولكن جاءت جهود المملكة لتعزز التهدئة في السوق، وإزالة حالة عدم اليقين، حيث عملت على استمرار الإمدادات، واستقرار الاقتصاد العالمي بعيدا عن تقلبات حادة في الأسعار.

– شفافية مرحلة التصحيح الشامل، حيث جاء التصحيح الاقتصادي لرؤية 2030، جاء شاملًا مع تطبيق الحوكمة والشفافية، وتفعيل الرقابة والتدقيق والمحاسبة على الجميع، لم تكن هناك استثناءات في محاسبة الفاسدين. جاءت مرحلة الشفافية مع فك احتكار تركيز السلطات لدى الشركات الحكومية، والتي كانت إحدى أهم سمات فترة التصحيح الاقتصادي التي نمر بها. خضوع تلك الشركات للرقابة والحوكمة، وفرض الشفافية، مع محاربة الفساد الذي يُعطّل مسيرة التصحيح والإصلاح.

– شفافية مرحلة التصحيح الشامل جعلت من المناصب الحكومية وظائف لخدمة المُواطن، الذي أصبح له صوت يُعبّر عنه بكل شفافية. ولعل كثير من الإقالات التي طالت المسؤولين فيها دروس عمليه لشفافية الرؤية، والمرحلة الجديدة من التصحيح الشامل، ولا شك أن للإعلام الدور الأبرز في بناء جسر من الثقة بين جميع شرائح ودوائر الوطن، إضافة إلى دوره الكبير في ضمان تصحيح الاقتصاد، والاستفادة من القدر الهام للشفافية، التي تجسدت على أرض الواقع مع هذه الرؤية المباركة؛ وذلك بتعزيز مبدأ النقد الإيجابي البناء.

– أخيرًا، ما تم ذكره هنا على عجالة هو غيض من فيض من إنجازات الطاقة منذ انطلاق الرؤية، فهي كثيرة في عددها كبيرة في تأثيرها، محسوسة بإنجازاتها محليًا وإقليميًا وعالميًا، ولكن حاولنا هنا ذكر بعضها، خاصة في القطاع النفطي.

وفي الختام نبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يديم على بلادنا الأمان والرقي، وأن يحفظ قادتها، ويعينهم على كل ما فيه خير لبلادنا المملكة العربية السعودية.

 

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد