الإثنين, 17 مايو 2021

رؤية 2030 والتأسيس لمرحلة ما بعد النفط

في أبريل 2016 أعلن صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، عن رؤية 2030، حيث أدركت القيادة السياسية حينها أن نموذج خطط التنمية الاقتصادية الذي تم تطبيقه على مدار العقود الأربعة الماضية، ورغم ما حققه من إنجازات مهمة، كان ملائمًا لظروف تلك الفترة، وأن هذا النموذج لن يكون قادرًا على تحقيق الاستدامة الاقتصادية في العقود القادمة.

اقرأ أيضا

يأتي ذلك بسبب العديد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وأبرزها تلك المتمثلة في تطورات أسواق النفط، وخصوصًا ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة، وما نتج عنها من تقلبات كبيرة في الأسعار، وتراجع في الإيرادات النفطية ابتداءً من عام 2015، والتي انعكست آثارها السلبية على الموازنة العامة للدولة ومعدلات النمو الاقتصادي، هذا إلى جانب تناقص الفترة الزمنية نحو الوصول إلى ذروة الطلب على النفط. وبالتالي، فإن إيجاد مسار مختلف لتحقيق الاستقرار المالي والاستدامة الاقتصادية أصبح أمرًا مُلحًّا يتطلب اكتشاف محفزات جديدة.

وقد جاء هذا التوجه في إعلان رؤية 2030 الطموحة نحو تعزيز مكانة المملكة اقتصاديًا في سعيها لتتبوأ المرتبة الخامسة عشر بين أكبر اقتصادات العالم، ولتتخطى أربع دول متقدمة عليها في الترتيب خلال الفترة القادمة حتى عام 2030.

لقد حددت رؤية 2030 ثلاثة منطلقات رئيسية، وهي:
أولًا: الارتقاء بجودة الحياة للمواطنين السعوديين من خلال تحسين الخدمات المقدمة لهم، وتمكينهم من تحقيق قدراتهم الشخصية، وإثراء حياتهم الثقافية.
ثانيًا: تحديث الاقتصاد السعودي من خلال تطوير المهارات المعرفية لكل المواطنين، والاستثمارالأمثل للموارد لأجل مستقبل البلاد، مع تحفيز مؤسسات وشركات القطاع الخاص على النمو والتوسع.

وثالثًا: إصلاح الموازنة العامة وتنويع إيرادات الحكومة.

وإنه في سبيل ضمان سياسة مالية مستدامة، وبالتالي تحقيق نمو اقتصادي مستدام، لم يعد أمام المملكة العربية السعودية خيار إلا أن تسلك اتجاهًا مغايرًا نحو تنويع مصادر إيراداتها، وخفض اعتمادها على الإيرادات النفطية، وبما يمكنها من تنويع هيكلها الاقتصادي. وبناءً على ذلك، أدخلت المملكة ضمن برامج تحقيق الرؤية وأهمها برنامج التوازن المالي 2020، والذي عدّل فيما بعد إلى عام 2023.

وفي سبيل تحقيق هذه الرؤية، فإلى جانب برنامج التوازن المالي أدخلت الحكومة اثني عشر برنامجًا، حيث تطمح المملكة من خلال هذه البرامج للوصول إلى مستقبل لا يعتمد فيه نموها الاقتصادي على استثمار عائدات النفط فحسب، وإنما يعتمد على صيغ جديدة لتمويل مشاريع البنية التحتية الأساسية، وكذلك البنية التحتية الاجتماعية، من خلال مبدأ الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وعلى تخصيص المؤسسات الحكومية لتحسين مستويات الإنتاجية، وكذلك على التطور التقني، وتعظيم مساهمة المحتوى المحلي، وزيادة الصادرات غير النفطية.

وقد شملت هذه البرامج الثلاثة عشر برنامج التحول الوطني 2020، برنامج التوازن المالي 2023، برنامج التخصيص، برنامج تطوير القطاع المالي، برنامج صندوق الاستثمارات العامة، برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية، برنامج ريادة الشركات الوطنية، برنامج الشراكات الاستراتيجية، برنامج خدمة ضيوف الرحمن، برنامج الإسكان، وبرنامج تعزيز الشخصية الوطنية.


وأما بخصوص الأهداف، فسوف يتم التركيز في هذا التقرير على الأربعة الأهداف الرئيسية ذات العلاقة بالمرتكز الاقتصادي. بيد أن كل هذه الثلاثة عشر برنامجًا تشكل ركائز متداخلة مع بعضها، وكذلك الحال بالنسبة للأهداف، والذي يعني أنه من غير تحقيق مستهدفات الإصلاح الاجتماعي والتنظيمي لا يمكن أن تتحقق المستهدفات الاقتصادية والمالية.

وأول هذه الأهداف تلك المتعلقة بالبعد الاجتماعي والاقتصادي، وأهمها هو خفض معدل البطالة من 11.3% في الربع الرابع 2016 إلى 9.6% في 2020 ومن ثم إلى 7% في 2030. لكنه في ظل تباطوء النمو الاقتصادي في أعقاب انهيار أسعار النفط في 2015 استمر معدل البطالة في الارتفاع خلال الفترة 2017 – 2109 قبل أن يقفز إلى 14.9% بنهاية الربع الثالث 2020، وذلك نتيجة لتبعات أزمة جائحة كورونا وانعكاساتها السلبية على النشاط الاقتصادي. غير أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الموجهة لدعم قطاع الأعمال، وبالخصوص المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ساهمت بانخفاض المعدل إلى 12.6% بنهاية الربع الرابع 2020.

لقد جاءت النسبة الأعلى للبطالة في العنصر النسائي، إذ بلغت 34.5%، وكانت نسبة مشاركتهن في سوق العمل للسعوديين 19.3% في عام 2016. وبالنظر إلى عدد السكان الإناث ما فوق 15 سنة فقد بلغ 6.9 مليون، في حين أن عددهم في قوة العمل بلغ 1.2 مليون امرأة فقط، كما بلغ عدد العاطلات منهن في نفس الفترة 739 ألف امرأة، وإن غالبيتهن حصلن على التأهيل العلمي. ورغم أن المملكة قد طبقت العديد من برامج السعودة خلال العقد السابق لإعلان الرؤية، وذلك بهدف زيادة أعداد السعوديات على وجه الخصوص في القطاع الخاص، إلا أنها لم تحقق النتائج المرجوة.

وبخصوص المشاركة الضعيفة للعنصر النسائي، فإنه ضمن مستهدفات الرؤية تم تنفيذ سلسلة من الإصلاحات، ومنها السماح للنساء بقيادة السيارة بدءًا من يونيو عام 2018، وفتح المجال للعمل في العديد من القطاعات مثل التجزئة والتعدين وغيرها، وتعد هذه الإصلاحات مؤشرًا إيجابيًا على الزيادة في نسبة مشاركة الإناث في قوة العمل السعودية التي ارتفعت لتبلغ 31.3% في نهاية الربع الثالث عام 2020.

كما أنه، وضمن برنامج التوازن المالي، وبهدف معالجة اختلالات سوق العمل، أعلنت الحكومة عن البدء في رفع الكلفة على العامل غير السعودي وعلى الجهات الموظفة له، وذلك من خلال تطبيق رسوم على العمالة الأجنبية ابتداءً من يوليو عام 2017، حيث تم إلزام المقيمين الأجانب بدفع 100 ريال رسمًا شهريًا عن كل مرافق، والتي تم زيادتها إلى 200 ريال منذ 2018 ومن ثم إلى 300 ريال في عام 2019 وإلى 400 ريال في عام 2020.

كما تم أيضًا فرض رسوم على أصحاب الشركات الموظِفة للعمالة غير السعودية مع بداية عام 2018، بواقع 300 ريال شهريًا عن كل عامل في الشركات التي تزيد فيها نسبة السعودة عن 50%، وإذا تجاوزت العمالة الأجنبية عدد العمالة السعودية، فإن الرسم يرتفع إلى 400 ريال شهريًا عن كل عامل. واستمر رفع هذا الرسم تدريجيًا إلى 500 ريال و 700 ريال في الشركات التي تتجاوز فيها نسبة السعودة 50%، بينما بلغ 600 ريال و 800 ريال في الجهات التي تقل فيها نسبة السعودة عن 50% في عامي 2019 و 2020 على التوالي.

وقد ساهمت هذه الإجراءات في زيادة مشاركة السعوديين على رأس العمل في القطاع الخاص من 16.5% فقط في عام 2016 إلى 21.5% في نهاية الربع الثالث 2020، والتي من المؤمل أن تستمر هذه النسبة في الزيادة وبما تؤدي إلى خفض معدل البطالة بين السعوديين خلال السنوات القادمة.

وأما الهدف الثاني فهو المتمثل في زيادة أصول صندوق الاستثمارات العامة من 230 مليار دولار في عام 2016 إلى 2 تريليون دولار في 2030. وبنهاية الربع الثالث من عام 2020 ارتفعت أصوله إلى 1.3 تريليون ريال (347 مليار دولار)، حيث إن المحرك الرئيسي لهذه الزيادة في أصول صندوق الاستثمارات العامة المخطط لها سوف يكون من عائدات تخصيص المؤسسات الحكومية، ومن تحويلات بعض الأرصدة الاستثمارية التي يديرها البنك السعودي المركزي إلى الصندوق.

ولذا تم إدخال برنامج صندوق الاستثمارات العامة ضمن برامج رؤية 2030، والذي سوف يكثف من استثماراته المحلية في قطاعات جديدة وواعدة، وتعزيز استثماراته الدولية، وذلك بهدف التحول إلى اقتصاد متنوع. ولقد بدى ذلك واضحًا خلال الثلاثة أعوام الماضية بأن دور هذا الصندوق سوف يكون محوريًا في الإصلاح الاقتصادي، سواءً في دعم المشاريع التنموية أو تنويع الاقتصاد.

وعلى سبيل المثال فإن صندوق الاستثمارات العامة هو الممول الرئيسي حاليًا لمشروع “نيوم”، والذي سوف تصل حجم استثماراته إلى 500 مليار دولار، من أجل بناء منطقة صناعية على حدود المملكة مع مصر والأردن. كذلك يقوم صندوق الاستثمارات العامة بتطوير مشروع منتجع البحر الأحمر، الذي سوف يشتمل على 50 جزيرة، وكذلك مشروع مدينة القدية الترفيهية في الرياض.

وفي جانب آخر فإن نصف الإيرادات المتحققة من تخصيص 5% من أرامكو السعودية أعلن عن إعادة استثمارها محليًا من قبل صندوق الاستثمارات العامة. وشمل إعلان ميزانية عام 2018 عزم صندوق الاستثمارات العامة على إنفاق 83 مليار ريال لأغراض الاستثمار المحلي خلال العام. كما أعلن الصندوق في ديسمبر 2020 عزمه على استثمار 150 مليار ريال سنويًا للعامين المقبلين. كما تم مؤخرًا ضمن برنامج “شريك” الإعلان عن استثمار 3 تريليون ريال خلال العشر سنوات القادمة. وهذه الاستثمارات الضخمة تجعله داعمًا أساسيًا في زيادة النفقات الاستثمارية في الاقتصاد السعودي، وفي الحد من التأثير السلبي لانخفاض قيمة النفقات الرأسمالية في الموازنة العامة للدولة، وبما يوفر الدعم التمويلي والاستثماري إلى زيادة الطاقة الاستيعابية البعيدة المدى للتسريع بنمو الناتج المحلي الإجمالي.

وبخصوص الهدف الثالث، فهو يتمثل في زيادة مساهمة القطاع الخاص إلى 65% في الناتج المحلي الإجمالي من 40% حاليًا، وضمن هذا الهدف حددت الرؤية 8 قطاعات استراتيجية لتطويرها: 1) التعدين والمعادن 2) البتروكيماويات 3) التصنيع 4) تجارة التجزئة 5) السياحة 6) التمويل 7) الإنشاء 8) الرعاية الصحية.

وبالنظر إلى الثلاثة عشر برنامجًا لتحقيق الرؤية، يتبين لنا أن هناك 6 من هذه البرامج مرتبطة بهدف زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، وهي برنامج صندوق الاستثمارات العامة، برنامج تحفيز الشركات الوطنية، برنامج التنمية الصناعية والخدمات اللوجيستية، برنامج تطوير القطاع المالي، برنامج التخصيص، برنامج الإسكان، وبرنامج إثراء تجربة الحج والعمرة. وإن الذي يمكن تقديره حاليًا هو أن مساهمة نمو الإنتاجية تعتبر ضعيفة في النمو الاقتصادي.

ولذا فإن أي تطور في خطط الإصلاح لجعل الاقتصاد أكثر تنوعًا من خلال خفض مساهمة قطاعي النفط والحكومة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في القطاعات التي حددت أهميتها الاستراتيجية في رؤية 2030، سوف تؤدي حتمًا إلى زيادة الإنتاجية، والتي من المتوقع ، خصوصًا بعد الإعلان عن برنامج الشراكة مع القطاع الخاص “شريك” أن تصبح أكثر وضوحًا في السنوات القادمة نحو تحقيق مستهدفات مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي.

وأما الهدف الرابع، فهو يختص بزيادة مساهمة الصادرات غير النفطية في إجمالي الناتج المحلي غير النفطي إلى 50%. ولا شك أن هذا الهدف يشكل تحديًا كبيرًا، حيث إن هذه المساهمة تصل إلى 10% حاليًا، وحتى بالمقارنة مع دول ناشئة أخرى، فإن هناك القليل من الدول غير النفطية التي تكون مساهمة الصادرات فيها إلى الناتج المحلي الإجمالي عالية.

إلا أن المملكة في واقع الأمر سوف تبدأ من مستوى متدنٍ لمساهمة الصادرات غير النفطية في الناتج المحلي غير النفطي، حيث يرتبط هذا الهدف بعدد من برامج الرؤية، والتي من أهمها برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية، والذي بطبيعة الحال سوف يسهم في خفض الواردات من ناحية، وزيادة الصادرات من ناحية أخرى. ولذا فإن التطور في زيادة مساهمة الصادرات غير النفطية سوف ينعكس أثره إيجابًا على النمو الاقتصادي، غير أن أي مستوى فوق 30% خلال العقد القادم سوف يمثل تحديًا كبيرًا للمملكة.

إن من متطلبات نمو الصادرات غير النفطية، والذي يرتبط أيضًا بجذب الاستثمارت الأجنبية، هو تطوير بيئة الأعمال وتحقيق مستوى متقدم في مؤشرات التنافسية العالمية. وقد حققت المملكة تقدما في تقريرIMD للتنافسية العالمية من المرتبة 39 في عام 2018 إلى المرتبة 26 في عام 2019 ومن ثم إلى المرتبة 24 في عام 2020 رغم التحديات المالية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط في أعقاب أزمة كورونا، والتطورات الجيوسياسية وانعكاساتها على تقييم المخاطر الاستثمارية. كما أن تدفقات الاستثمارات الأجنبية التي شهدت تراجعًا خلال السنوات 2017 – 2018 شهدت تحسنًا في 2109 و2020، حيث ارتفع إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 2.4% لتبلغ ما مجموعه 907 مليار ريال في نهاية الربع الثالث 2020. ومما لا شك فيه أن استمرار النمو في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما جاء ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبرنامج التحول الوطني 2020، سوف يساهم ليس فقط في جذب رؤوس الأموال، بل والأهم في نقل التقنية والخبرة والمعرفة نحو بناء اقتصاد المعرفة في المملكة.


لقد بدأ عهد جديد في المملكة العربية السعودية، من إصلاح أوضاع المالية العامة منذ عام 2016 لتفادي تكرار ما حدث في الثمانينات والتسعينات، وأيضًا تنويع الاقتصاد. وإن دورة السلع الأساسية كما هو الحال في النفط واستحقاقاتها ونظام “الإعانات للجميع” هي قضايا طويلة الأمد، لا تزال تؤثر على الاقتصادات المعتمدة على إيرادات النفط، ولا تختلف المملكة عن غيرها في ذلك.

إن الإجابة على السؤال الحاسم حول كيفية اختلاف برنامج التحول الوطني والرؤية عن الخطط الخمسية العشر السابقة، يتمركز حول تنفيذ هذا النموذج الاقتصادي الجديد الذي ابتدأ بالإصلاح المؤسسي، وإنشاء الأجهزة المعنية بتنفيذ الرؤية، وتطويرالبيئة القانونية نحو زيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وتمكين المستثمرين الأجانب من دخول السوق السعودي، إلى جانب ترشيد النفقات، وزيادة الإيرادات غير النفطية.

وليس هناك أي إنكار أن هذا التحول ستكون له نتائج سلبية، على غرار ما حدث في الصين أثناء مراحل التحول، حيث سيضطر الاقتصاد إلى التضحية بالنمو على المدى القصير من أجل تحقيق مسيرة نمو أكثر استدامة وتوازنًا. وفي النهاية، فإن التكلفة بعيدة المدى لعدم القيام بأي شيء، والسير على النموذج الاقتصادي السابق، سوف تكون أعلى بكثير من تلك المرتبطة بهذا النموذج الاقتصادي الجديد، الذي يواكب عصر الاقتصاد المعرفي.

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد