الأربعاء, 12 مايو 2021

سلاسل الإمداد بين جائحة كورونا واستشراف المستقبل

تمثل سلاسل إمدادات التوريد أو ما يسمى بالخدمات اللوجستية عصب الحياة لكثير من المنظمات الحكومية والخاصة على حد سواء؛ فهي الوسيلة الوحيدة لبقائها واستمرار المضي قدمًا في تنفيذ خططها التشغيلية والإنتاجية وتلبية احتياجات عملائها، ولسلاسل إمدادات التوريد أثر كبير على نمو وتوسع التجارة على المستوى المحلي والإقليمي وكذلك العالمي، وبالتالي فإن لسلاسل الإمداد تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى أثرها في تحقيق الميزة التنافسية بين الدول الصناعية والمتقدمة في هذا المجال.

اقرأ أيضا

بناء على ما تقدم، جاءت النظرة الثاقبة من لدن حكومتنا الرشيدة في الاهتمام بهذا المجال الحيوي والمهم؛ كونه محركًا رئيسيًا للاقتصاد الوطني، وقد ظهر ذلك الاهتمام من خلال تدشين سمو ولي العهد لبرنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية كأحد برامج رؤية المملكة 2030، وذلك في التاسع والعشرين من شهر يناير للعام 2019م.

في هذا المقال نسلط الضوء على هذا المجال الحيوي المهم، من خلال إعطاء جرعة تثقيفية للقارئ الكريم، عن أهم المرتكزات والأنشطة التي يحويها هذا المجال المهم، من جوانبه المختلفة، الإدارية والاقتصادية والفنية، بالإضافة إلى مزيد من التفاصيل فيما يخص مرتكزات ومستهدفات برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية، كما سنتطرق لموضوع الساعة ألا وهو جائحة كورونا COVID19 وكيف أثرت على أداء سلاسل الإمدادات العالمية، ونختم المقال بقليل من الاستشراف لمستقبل إدارة سلاسل الإمداد في ظل كل هذه المستجدات.

ماذا نعني بإدارة سلاسل إمدادات (SCM)؟
شهد مفهوم سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية تطورًا تاريخيًا على مستوى الاصطلاح وكذلك الأنشطة المتعلقة به، حيث كانت نشأة هذا المفهوم عسكريًا، وذلك في بداية القرن التاسع عشر، ثم بدأ استخدامه على نطاق أوسع عسكريًا أيضًا أثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945م)، وكانت تعرف حينها بـ “الأعمال اللوجستية أو الدعم اللوجستي” ويقصد بها نقل الجنود والمعدات وكافة الموارد المستخدمة من غذاء ودواء وأسلحة …الخ، ويتصل بذلك عدد من الأنشطة تشمل التصميم والصيانة، وكذلك عملية التخلص من التالف، والاتصالات.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية (1945م) بدأ استخدام هذا المفهوم في منظمات الأعمال تحت ما يعرف بـ “إدارة المواد” وتشمل تخطيط ونقل المنتجات والخدمات من المنظمة وحتى الوصول إلى العميل النهائي، وتشمل تبادل المعلومات، وتدفقات الأموال، بالإضافة إلى أعمال التخزين والرقابة والتحكم.
وفي بداية التسعينات من القرن الماضي تطور هذا المفهوم تطورًا كبيرًا، وأصبح يستخدم على نطاق أوسع في جميع المنظمات المختلفة الحكومية والخاصة بجميع أنواعها التجارية والصناعية، بالإضافة إلى استمرار استخدامها في القطاع العسكري، لكنه أصبح يعرف بـ “إدارة سلاسل الإمدادات” (Supply Chain Management) وتشمل الخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى العديد من النشاطات الأخرى، حيث تعرف إدارة سلاسل الإمداد بأنها إدارة تدفقات المنتجات والخدمات والمعلومات والأموال بين ثلاثة أطراف رئيسية، هم المورد والمنظمة (المصنَع أو مزود الخدمة) والعميل، وتتضمن أعمالًا عديدة، تبدأ بالتخطيط وشراء المواد الخام وجدولة الإنتاج، بالإضافة إلى أعمال التنبؤات بحجم الطلب، ودراسة الأسواق، وتحديد الاستراتيجيات التي تحقق الميزة التنافسية، وكذلك إدارة المخزون، وأعمال التخلص من المواد التالفة والراكدة، وأعمال المناولة والتوزيع، وتبادل المعلومات والبيانات ذات العلاقة، والتدفقات النقدية. وتهدف إدارة سلسلة الإمداد إلى تحقيق التوازن بين الطلب والإنتاج، وتحقيق مستويات عليا من رضا العملاء، وذلك بإدارة كل هذه الأنشطة بكفاءة وفعالية باستخدام نظم معلومات مترابطة.

ويعتبر عامل التكلفة من المحددات الرئيسية للقرار في إدارة سلسلة الإمداد، حيث تشير الدراسات إلى أن تكلفة نشاطات سلاسل إمدادات التوريد تمثل حوالي 60% من التكلفة الكلية للمنتج أو الخدمة المقدمة، ويضاف إلى ذلك عامل الوقت، حيث إن حوالي 70% من الوقت المستغرق في عمليات سلسلة الإمداد تكون في أعمال دورة شراء المنتج، ومن المعلوم أن عامل الوقت مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمستويات رضا العميل.

مؤشر الأداء اللوجستي العالمي (LPI)
نظرًا للأهمية الكبيرة لهذا المجال الحيوي ولتأثيره الكبير على الاقتصاديات العالمية؛ فقد استحدث البنك الدولي في العام 2007م مؤشر أداء خاص يقيس ويقيم الأداء اللوجستي للدول يسمى Logistic Performance Index (LPI) يهدف إلى مساعدة الدول على تحديد التحديات والفرص في أدائها اللوجستي التجاري، عن طريق قياس مدى ملاءمة أعمالها اللوجستية مع حاجاته، ويتضمن المؤشر المعايير التالية:
– كفاءة التخليص الجمركي
– جودة البنية التحتية للنقل والتجارة
– سهولة الشحن الدولي
– جودة الخدمات اللوجستية
– القدرة على تتبع الشحنات
– وصول الشحنات في الوقت المحدد
حيث يتم تقييم الدول كل سنتين تقريبًا بناء على المعايير أعلاه في مقياس يتدرج من 1 إلى 5 (حيث 1 هو الأدنى و5 الأعلى)، وبعد ذلك يتم تصنيف وترتيب الدول وفقًا لمخرجات التقييم، ووفقًا لأحدث تصنيف لمؤشر الأداء اللوجستي، فقد حصلت المملكة العربية السعودية على تقييم 3.01 وهو يضعها في الترتيب الرابع خليجيًا وعربيًا، وفي المرتبة 55 على المستوى العالمي.

المصدر (البنك الدولي:  https://lpi.worldbank.org/international/scorecard/line/32/C/SAU/2018/C//2007 

إدارة سلاسل الإمداد ورؤية المملكة 2030
أولت رؤية المملكة 2030 اهتمامًا كبيرًا بهذا القطاع الحيوي والمهم، وظهر ذلك جليًا في إطلاق برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية، وهو أحد برامج الرؤية الرئيسية كما ذكر آنفًا، ويهدف في شقه اللوجستي إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية، مع التركيز على العناصر الرئيسية التالية:
1- إنشاء منصة للتصدير.
2- إنشاء منصة توزيع إقليمية.
3- تأسيس شبكة توزيع داخلية فعالة لتمكين سلاسل التوريد الصناعية والخدماتية.
وقد تبنى البرنامج عددًا من الأهداف فيما يخص قطاع الخدمات اللوجستية وهي:
– تحويل المملكة إلى منصة لوجستية
– تعزيز الاستدامة المالية لقطاع الخدمات اللوجستية
– الارتقاء بجودة الحياة في المدن السعودية
– تحسين أداء الكيانات العامة
ومن المتوقع أن يُحدِث هذا البرنامج أثرًا إيجابيًا في قطاع الخدمات اللوجستية، حيث من المستهدفات المتوقعة للبرنامج توليد حوالي 343 ألف وظيفة لأبناء وبنات وطننا الغالي، بالإضافة إلى تعزيز الناتج المحلي بقيمة تصل إلى 221 مليار ريال، وزيادة في حجم الصادرات وإعادة التصدير إلى أكثر من تريليون ريال، كما أن البرنامج يستهدف من هذا الإصلاح والتطور في قطاع الخدمات اللوجستية تحسين ترتيب المملكة فيما يخص مؤشر الأداء اللوجستي (LPI) لتصبح في المركز 25 عالميًا، وإذا تحقق ذلك فيعتبر قفزة قوية في هذا القطاع.

كيف أثرت جائحة كورونا COVID19 على أداء سلاسل الإمدادات العالمية؟

بالرغم من التطور الكبير الذي حدث في مجال إدارة وأنظمة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية عالميًا؛ إلا أن جائحة كورونا ألقت بظلالها على هذا المجال الحيوي والمهم، فقد توقفت إمدادات التوريد لكثير من السلع المهمة جدًا، مثل الأدوية والغذاء، مما أصبح يمثل تهديدًا كبيرًا للبشرية، وأصبح الأمر أكثر ضررًا وأثرًا لتلك السلع ذات المصدر الوحيد أو المصنَع الوحيد، ناهيك عن الأثر الاقتصادي الذي صاحب الجائحة، وهو الركود الاقتصادي، خاصة إذا علمنا أن 60-70% من نمو وتوسع التجارة العالمية في العقدين الماضيين هو بسبب تطور سلاسل إمدادات التوريد العالمية.

وأصبحت بعض مفاهيم وقواعد إدارة سلاسل الإمداد تحتاج إلى إعادة نظر، فعلى سبيل المثال “أسلوب التوريد وقت الحاجة (Just In Time)” وهو منهج ياباني استحدثته شركة تويوتا، وتطبقه العديد من الشركات اليابانية وكذلك العالمية، ويعتمد على عدم وجود مخزون، ويكون التوريد وقت الحاجة، فقد أوقع تطبيق هذا الأسلوب العديد من المنظمات بل الدول في حرج كبير مع استمرار هذه الجائحة وطول مدتها، خاصة تجاه السلع الأساسية والضرورية، ومن أهمها الدواء والغذاء.

وعلى الجانب الاقتصادي، فقد أشارت التوقعات إلى أن الجائحة، وما صاحبها من إجراءات حجر على مستوى العالم، تسببت في وقف النمو المتوقع للتجارة العالمية بما لا يقل عن 35%، وفي نفس السياق أشارت دراسات مركز التجارة العالمية في تقارير سابقة أن خسائر صادرات مراكز سلسلة التوريد العالمية لكل من الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بلغت حوالي 126 مليار دولار في 2020، ومن المتوقع أن ترتفع مستويات الخسائر من طول فترة الجائحة، وسيكون الأثر أكبر حدة على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ولكن الجانب المضيء في هذه الأزمة هو النمو الكبير في مجال التجارة الإلكترونية، خاصة مع إجراءات الحجر التي فرضتها الدول كجانب احترازي للتعامل مع الأزمة، حيث شهدت هذه الجائحة نموًا وتطورًا في مبيعات التجارة الإلكترونية، بالإضافة إلى نمو وظهور العديد من الشركات المتوسطة والصغيرة في هذا القطاع.

مستقبل سلاسل إمدادات التوريد
شهدت إدارة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية تطورًا كبيرًا منذ نشأتها، وكانت تستفيد في كل مرحلة من مراحلها من التقدم التكنولوجي الكبير الذي يشهده العالم في الآونة الأخيرة، فقد تم إدخال عنصر الإنسان الآلي (Robot) لأداء بعض المهام التي يؤديها العنصر البشري، ومن المتوقع تزايد الاعتماد على ذلك مستقبلًا، كما تم اللجوء إلى آليات الأتمتة في تنفيذ بعض عملياتها المختلفة؛ لكسب عامل الوقت، ورفع مستويات الجودة، وبالتالي خفض التكاليف.

ويتوقع أن تزيد الاعتمادية بفعالية أكثر على تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) في مجال سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، في أنشطة المتابعة والمراقبة وتحليل البيانات والمساعدة في اتخاذ القرارات، ومع الانفتاح الكبير على التطور التقني، والتزايد نحو كل ما له علاقة بشبكة الإنترنت، وظهور مفهوم ما يسمى بإنترنت الأشياء (IoT)، والذي مكَّن من ربط العديد من الأجهزة والمعدات من خلال الإنترنت، فإن ذلك سيزيد من نسبة الشفافية، ووصول المعلومة بسرعة فائقة بين أطراف سلاسل الإمداد بفعالية أكثر، فتستطيع على سبيل المثال معرفة كميات المخزون، وتتبع البضاعة في أي لحظة، كما يمكن أداء مهام أخرى، كصرف واستلام ومعاينة المواد من خلال أجهزة الاستشعار المرتبطة بالإنترنت، دون الحاجة إلى تدخل العنصر البشري، والقائمة تطول في هذا الخصوص. ومن المتوقع أيضا اللجوء إلى أساليب توصيل جديدة فيما يسمى تسليم الميل الأخير (Last Mile Delivery) وهي آخر مرحلة من مراحل الخدمات اللوجستية كاستخدام الطائرة بدون طيار (الدرون).

ختامًا نود التأكيد على أهمية هذا القطاع الحيوي، وارتباطه الوثيق وتأثيره الكبير على عدد من القطاعات الأخرى السياسية والاقتصادية والتجارية، وأيضًا تأثيره الكبير على حياة البشر؛ لذا يوصى بمزيد من الاهتمام والبحث والتطوير في أنشطة ومهام سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، خاصة في ضوء ما شهده العالم من تبعات لجائحة كورونا، عززت ما ذكر سابقًا، وأكدت على أهمية أن تكون سلاسل الإمداد أكثر مرونة وسلاسة وتجددًا؛ لضمان استمرار تدفقات ما يحتاجه البشر والمنظمات على حد سواء من السلع والخدمات.

خبير سلاسل الامداد وتوطين الصناعة

ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


المزيد