“أوكساچون”… رئة الصحراء على شاطئ البحر الأحمر

في الوقت الذي يلهث فيه الاقتصاد العالمي محاولًا لملمة شتاته بعد تداعيات أزمة فيروس “كورونا” (كوفيد – 19)، أثبت الاقتصاد السعودي أنه لم يكتف بتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، بل وثب عاليًا فوق تضاريس كل المعوقات التي تشهدها الكرة الأرضية، بإعلان سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عن أول مدينة صناعية عائمة في العالم، رئة الصحراء على شاطئ البحر الأحمر. إنها مدينة نيوم الصناعية “أوكساچون”.

اقرأ المزيد

الإعلان حمل معه بشائر غير مسبوقة لحماية البيئة، عبر التأكيد على أن “أوكساچون” ستكون نموذجًا جديدًا للمدن ومراكز التصنيع المستقبلية، مجسدة بذلك رؤية نيوم لمستقبل العيش المستدام، وهو ما يمنح الصناعة العالمية فرصة لتتنفس من خلال هذه الرئة، وتواصل تقدمها الصناعي من دون إضرار بالكوكب.

أضاف ولي العهد خلال إعلانه عن المدينة نهجًا تنمويًا جديدًا في عالم التصنيع، هو “الاقتصاد الأزرق” الذي يعد من المفاهيم الناشئة، ويقصد به الاستخدام المستدام لموارد المحيطات والبحار من أجل تحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين سبل المعيشة والوظائف، مع الحفاظ على النظام البيئي.

وتعرّف المفوضية الأوروبية “الاقتصاد الأزرق” بأنه “جميع الأنشطة الاقتصادية المتعلقة بالمحيطات والبحار والسواحل، وتغطي مجموعة واسعة من القطاعات الناشئة والمترابطة”. وبقدر ما يهدف “الاقتصاد الأزرق” إلى تحسين حياة البشر وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإنه يستهدف أيضًا الحد من المخاطر البيئية وندرة الموارد والحد من السلوكيات التي تؤدي إلى تغير المناخ.

ويعمل “الاقتصاد الأزرق” كمحفز لتطوير السياسات والاستثمار والابتكار في دعم الأمن الغذائي، والحد من الفقر، والإدارة المستدامة للموارد المائية، عبر الحفاظ على الأحياء المائية، وتعزيز السياسات والممارسات الجيدة لاستزراع الأسماك والمحار والنباتات البحرية بصورة مسؤولة ومستدامة، بالإضافة إلى توفير خدمات النظام الإيكولوجي الذي يستهدف تعزيز النظم الرقابية وآليات استعادة الموائل الحيوية الساحلية والتنوع البيولوجي.

تطبق “أوكساچون” “الاقتصاد الأزرق” من خلال دمج الابتكارات القائمة على اليابسة مع تقنيات “الاقتصاد الأزرق” المستدام، بالاعتماد على الماء، وعدم اقتصار التطوير والابتكار على اليابسة، بل يتجاوزاها إلى خلق مساحة جديدة للإبداع والابتكار عبر التطوير الحضري لأكثر من 10 آلاف كيلو متر في البحر.

مدينة “أوكساچون” لا تسعى إلى أن تكون مدينة صناعية مثلها مثل المدن الصناعية المنتشرة على هذه المعمورة، بل تسعى إلى أن تكون لها بصمة مختلفة عن مثيلاتها تحاكي فيها المستقبل، بدلًا من تشابهها بمدن تعجّ بالفوضى والتلوث. فالمدينة ستكون بمثابة الرئة في الجسم الذي يزود الأعضاء بالأكسجين. فارتباطها الشرقي بالصحراء ودخولها بمسافة 10 كيلومترات مربعة داخل مياه البحر بمثابة التنفس من قلب الصحراء على العالم، وتحديدًا عبر المشاريع التي تسعى لاحتضانها. فهي ستكون مركزًا عالميًا لـ “الاقتصاد الأزرق” الذي لا يزال اقتصادًا ناشئًا، وصولًا إلى تطوير الموارد المائية وتقليص استخدام الأراضي للأغراض الصناعية.

كما تواكب “أوكساچون” توجهات المملكة ورؤية نيوم في الاستدامة. فعند التمعّن في القطاعات السبعة التي ستركز عليها “أوكساچون”، سنجدها تتمحور حول  الطاقة المستدامة، والتنقل المستقل (الذكي)، وابتكار تقنيات المياه، وإنتاج الأغذية المستدامة، والصحة والرفاهية، والتقنية والتصنيع الرقمي (المتضمنة تقنية الفضاء والتشغيل الآلي)، وطرق عصرية للإنشاء والتعمير. وهذا تأكيد على سعيها نحو الاستدامة والمحافظة على  البيئة، واهتمامها بخلق منظومة تعليمية وبحثية وإبداعية تنافس المراكز العالمية المرموقة.

 

ذات صلة Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المزيد