الأربعاء 12 ربيع الأول 1442 - 28 أكتوبر 2020 - 06 العقرب 1399

انعكاس الحوكمة على الأداء المالي للمؤسسات الصغيره والمتوسطة

د. عبدالعزيز المزيد

     شغلت الحوكمة حيز كبير من اهتمام الأكاديميين والممارسين والمنظمات الاقليمية والدولية على حد سواء للدول التي قدمته في حل الازمات العالمية التي حدثت في دول العالم خلال القرن العشرين. وتوسع بعدها الاهتمام بالحوكمة بعد تداعيات السلطة وقضايا الفساد في الاقتصاد الأمريكي بغية الوصول الى تحقيق النمو الاقتصادي بشكل تلقائي، ان قواعد ومبادئ الحوكمة تساعد المؤسسات على الإدارة الكفء لمواردها المتاحة وبالتالي القدرة على فرض نفسها في السوق واستقرارها، اذا ما هي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؟ وهل تساهم الحوكمة في تحسين الأداء المالي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة؟  وماهي المعوقات التي قد تواجهه الحوكمة السليمة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؟

     سيطرت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على الدراسات الاقتصادية مؤخراً لاختلافها عن المؤسسات كبيرة الحجم من حيث توجهها وأهدافها فقد انتشرت تلك المؤسسات في فترة السبعينيات من القرن الماضي، وكان لها الأثر الكبير في اقتصاديات البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، الا انها كانت تنتشر أيضا بالسرعة التي أنشأة بها خلال السنوات الاولى لها، لذا اتجهت الدراسات للمساعدة في توفير حلول تمكن تلك المؤسسات من النجاة وفرض مكانتها في الأسواق، فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي التي يتم امتلاكها وإدارتها بطريقة مستقلة حيث لا تسيطر على مجال العمل الذي تنشط في نطاقه(رابح، د:ت،  ص 24-25)،  ويعتبر المؤسسة صغيرة ومتوسطة اذا كانت تشغل 100 عامل أو أقل والتي تعمل في مجال الصناعة والبناء والتجهيز، او التجارة بالجملة، والتجارة بالتجزئة، او النشاط الخدمي من الفنادق والمطاعم، او النقل والتخزين والاتصال، او التأمين(عثمان، 1992، ص 12)، لقد اختلف تعريف المؤسسات من بلد الى اخر حسب المعايير المستخدمة في أي منها، لذا فانه من الضروري تكييف هذه المعايير مع خصوصيات النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد في ذلك البلد.

    احتلت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة منزلة مهمة في الاقتصاد المعاصر للأهمية الجوهرية التي تلعبها في تنشيط الاقتصاد القوي وتحقق التطور الهيكلي والتقدم التكنولوجي، فضلا عن دورها في تقليص نسبة البطالة، فتطور الاقتصاد الأمريكي كان سببه الأساسي هو نتيجة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فمعظم الشركات المتواجدة في الوقت الحاضر بما في ذلك الشركات المدرجة في قائمة "فور تشين" التي تضمن أكثر من 500 شركة صناعية بالإضافة إلى أكبر وأشهر المتاجر الكبرى، ومتاجر السلسلة وشركات البیع بالبرید أسسها المنظمون برؤوس أموال محدودة (كنوش، 2006م، ص 1034)،  لذا فإن هذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أحد أهم مفاتيح التنمية الاقتصادية المستمرة، ويعتبر توفر موارد المؤسسة عنصراً أساسياً لاستمراريتها وبقائها في اقتصادية السوق إلا أن توافرها يعتمد على كفاءة تخصيص هذه الموارد وذلك لبقاء واستمرارية المؤسسة والذي يمكن تقييمه من خلال نظام الحوكمة ومبادئها إذ تأتي حوكمة المؤسسات لتتعامل مع الطرق التي تمكنها من حسن سير المؤسسة وتحسين أداء هذه المؤسسات.

   ان مقياس الحوكمة يعتمد على ثمانية عناصر وهي انظمة التدقيق ، مجلس الادارة، اللوائح والقوانيين الداخلية ، المستوى التعليمي لمجلس الادارة، مكافات مجلس الادارة والمدراء التنفيذين، حقوق الملكية، السياسات المستقبلية، قانون التأسيس، وقد ساعد تنظيم الاعمال المالية من خلال وضع انظمة محكمة وضابطة للامور المالية والادارية للشركات وتوضيح العلاقة بين اصحاب الاموال ومجالس ادارة الشركات ووضع سياسات الضبط الداخلي للعمل المالي ووسائل الافصاح والشفافية وتحديد معايير التدقيق الداخلي وتقيد الشركات بالعمل المالي وفق معايير المحاسبية الدولية (الغزالي، 2015م، ص 47).   

     إن التطبيق السليم لمبادئ حوكمة الشركات يشكل المدخل الفعال لتحقيق جودة التقارير المالية والمعلومات الناتجة عنه وبالتالي تحسين الأداء المالي بها، فتطبيق هذه المبادئ يؤثر على درجة ومستوى الإفصاح المحاسبي مما يؤكد على أن الإفصاح والشفافية وظاهرة حوكمة الشركات وجهان لعملة واحدة يؤثر كل منهما بالآخر ويتأثر به، فإذا كان الإفصاح هو أحد وأهم مبادئ الحوكمة فإن إطار الإجراءات الحاكمة للشركات يجب أن يتم الإفصاح بأسلوب يتفق ومعايير الجودة المالية والمحاسبية، كذلك فإن الأثر المباشر من تطبيق قواعد الحوكمة هو إعادة الثقة في المعلومات المالية نتيجة تحقيق المفهوم الشامل لهذه المعلومات باعتبار أن المعلومات التي تنتجها التقارير المالية هي من أهم الركائز التي يمكن الإعتماد عليها لقياس حجم المخاطر بأنواعها المختلفة مثل : مخاطر السوق ومخاطر السيولة فضلا عن دورها في عملية التنبؤ، كما أن التقارير المالية تؤثر في قرارات المستثمرين بإمدادهم بالمعلومات عن الشركات التي تطرح بهدف دعم وترشيد تلك القرارات (اسامة قرواني، 2015م، ص 20).

       للحوكمة الاثر الواضح على أداء المؤسسات وذلك من خلال عدد من القنوات والتي تتمثل في زيادة فرصة الوصول لمصادر التمويل الخارجية فالتطبيق السلیم للحوكمة يؤدي إلى زيادة فرص دخول أسواق رأس المال وذلك من خلال الحد من العوائق التي قد تواجه الشركات في وصولها لمصادر التمويل الخارجية، وكذلك زيادة قيمة الشركة فالحوكمة تساهم في ارتفاع قيمة الشركة وميل المستثمرين الى شراء الأسهم وبالتالي جذب المزيد من الاستثمارات، أيضا تخفيض مخاطر الازمات المالية فان الحوكمة تعتبر السبب الرئيسي الذي ساعد بعض الشركات على العودة وتحقيق الميزة التنافسية بعد الانهيارات المالية التي حدثت في العالم اجمع، وكذلك تحسين العلاقة مع أصحاب المصالح فالحوكمة تجمع الأطراف ذات الصلة وتعمل على الحفاظ على العلاقات الودية بينهم وذلك من خلال القوائم المالية المنشورة وكذلك الاجتماعات والصراحة والافصاح والشفافية، واخيراً مجال تحسين الأداء وزيادة الفاعلية فالحوكمة تعمل على تحسين إدارة الشركة في التخطيط والتنظيم والرقابة مما يؤدي الى زيادة الكفاءة الإدارية بها، وأيضا تعمل على بث روح التعاون والمسؤولية بالمشاركة مع كافة الأطراف للتحول الى شركاء في صنع النجاح(غانم، 2010م، ص 7-8).

     واخيراً  نجد ان للحوكمة الأثر المباشر على تحسين الأداء بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وذلك من خلال الاهتمام بمصالح العاملين والمتعاملين وكافة الأطراف، فأهمية الحوكمة لا تقتصر على ذلك فقط بل تتعدى أهميتها من خلال عمق فكرة الالتزام والثقافة وازدياد الوعي ومراعاة الاخر، والالتزام بالمعايير والمواصفات المطلوبة للاعمال، فالحوكمة تزيد من قدرات العاملين من احساسها بالمسؤولية واقتناع الإدارة بأهمية مشاركتهم وضرورة تحسين المناخ لهم مما يساهم في تحسين اداء الشركات، وتجدر الاشارة إلى أن دور الحوكمة لا يقتصر على وضع القواعد والقوانين ومراقبة تنفيذها. ولكن يشمل أيضا توفير البيئة اللازمة لدعم مصداقيتها وهذا لا يتحقق إلا بتعاون بين الحكومة والسلطات الرقابية والقطاع الخاص والفاعلين، كما نلاحظ أن نظام الحوكمة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يختلف عما هو موجود في المؤسسات الكبيرة الخاصة في مجال فصل الملكية عن الإدارة ودور مجلس الإدارة.

     ان حوكمة المؤسسات هي أداة لوضع الشركات في المسار الصحيح من خلال تقويم الأداء وقياس مدى تحقيق الأهداف وهي جزء هام من العملية الاستراتيجية، فالأداء هو النتائج التي تحاول المؤسسات الوصول اليها فكلما كان الأداء جيد كلما حققت المؤسسات اهداف ذات المدى البعيد بصورة افضل، فحوكمة المؤسسات تساهم في تحسين الأداء من خلال مبادئها وألياتها التي تعمل كنظام فعال للمؤسسات وتطبيقه بصورة جيده يساهم في تحقيق الإفصاح والشفافية والحد من الفساد والغش وبالتالي تحسين الأداء المالي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة مما يجعلها أطول عمراً واكثر تواجد في الأسواق وتطويره وتقدمه، ولكن لابد للمؤسسات الحرص على تحسين مستوى ممارسة الحوكمة فيه والتزام المؤسسة باللوائح التنظيمية والقوانين التي تساعدها الوصول الى بر الأمان.

 

باحث ومحلل مالي [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

التعليقات

إضافة تعليق جديد

الفيديو