السبت 13 ربيع الثاني 1442 - 28 نوفمبر 2020 - 07 القوس 1399

«التكرير النفطي الأوروبية» تحديات صعبة وخيارات محدودة

مقالات مال

تواجه صناعة التكرير النفطي الأوروبية تحديات من جميع الجهات. حيث إن الطلب على النفط في أوروبا في تراجع لا رجعة عنه، والوصول إلى أسواق التصدير التقليدية يواجه منافسة قوية نتيجة تشغيل موجة جديدة من المصافي المعقدة عالية الكفاءة في كل من آسيا- المحيط الهادئ ومنطقة الخليج العربي، التي عززت الطاقات الإنتاجية الفائضة، في حين أن مركز التكرير على ساحل الخليج الأمريكي يشهد نهضة على خلفية ارتفاع إنتاج النفط من موارد الزيت الصخري.

منذ عام 2008 بعد الأزمة المالية والركود الاقتصادي الكبير تم إغلاق أكثر من 1.7 مليون برميل في اليوم من طاقات التكرير في أوروبا، في الوقت نفسه انخفض الطلب على النفط فيها بشكل أسرع، والطاقات الإنتاجية الفائضة تؤثر سلبا في هوامش أرباح مصافيها. على سبيل المثال، جميع شركات النفط الرئيسة العاملة في أوروبا عانت انخفاض عوائد المصافي في الربع الثالث من العام الماضي. كما أن عدم التوافق الكبير بين الطلب على المنتجات وأنواع المنتجات التي تنتجها المصافي الأوروبية يفاقم من مشكلات صناعة التكرير النفطي فيها. معظم المصافي الأوروبية بنيت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث كانت مصممة بصورة رئيسة لتعظيم إنتاج البنزين على حساب نواتج التقطير المتوسطة، خصوصا وقود الديزل. لكن التحول الكبير إلى السيارات العاملة على المازوت ترك أوروبا تعاني نقصا في نواتج التقطير المتوسطة، في حين أصبح هناك فائض كبير في إنتاج البنزين.

هذا الخلل بين الطلب على المنتجات وأنواع المنتجات التي تنتجها المصافي كان غير ذي أهمية حتى عام 2008، حيث استوعبت أسواق الولايات المتحدة جميع البنزين الفائض عن حاجة أوروبا، في حين أن مصافي الاتحاد السوفياتي السابق سدت حاجة أوروبا من نواتج التقطير المتوسطة. لكن العالم تغير في السنوات الخمس الماضية. ما يعرف "بثورة" النفط الصخري عززت إمدادات النفط الخام الأمريكي بنحو 2.5 مليون برميل في اليوم من النفط الخفيف الحلو، معظمها لا يمكن تصديرها، وليس بقدرة المصافي المحلية استيعابها بالكامل. لا توجد قوانين تحد من صادرات المنتجات النفطية من الولايات المتحدة، حيث يتم تصدير البنزين، الديزل وزيت الوقود من ساحل الخليج الأمريكي إلى أوروبا، أمريكا اللاتينية، إفريقيا حتى إلى آسيا- المحيط الهادئ.

أسعار النفط الأمريكي المتدنية نسبيا وتوافر الغاز الطبيعي كوقود للمصافي بأسعار رخيصة يعطيان صناعة التكرير في الولايات المتحدة ميزة كبيرة من حيث التكلفة على نظيراتها الأوروبية والأمريكية اللاتينية. هذه المزايا ستستمر في إعطاء مصافي ساحل الخليج الأمريكي ميزة تنافسية عالمية، هذا التفوق سيسمح لمصافي ساحل الخليج الأمريكي الحصول على حصة متزايدة من الطلب على وقود النقل.

هوامش أرباح المصافي الأمريكية القريبة من أسواق التصدير الرئيسة عالية، ما ساعد على الحفاظ على معدلات تشغيل للمصافي مرتفعة. حيث وصلت كميات النفط الداخلة إلى مصافي ساحل الخليج الأمريكي في الربع الرابع من عام 2013 رقما قياسيا جديدا بلغ 8.2 مليون برميل في اليوم، أي بمعدل تشغيل 93 في المائة من الطاقة الكلية، حيث استفادت المصافي من هوامش الأرباح العالية التي حصلت عليها. خلال شهري تموز (يوليو) وآب (أغسطس) صدرت الولايات المتحدة نحو 1.6 مليون برميل في اليوم من المنتجات النفطية، ما جعلها أكبر دولة مصدرة للمنتجات بعد دول الاتحاد السوفياتي السابق.

إن هوامش أرباح المصافي الأوروبية تقلصت بسبب ارتفاع الطاقات المحلية الفائضة وتزايد المنافسة في أسواق التصدير. على مدى السنوات الخمس الماضية انخفضت صادرات المصافي الأوروبية عبر المحيط الأطلسي إلى النصف إلى 300 ألف برميل في اليوم، مع ارتفاع معدلات تشغيل مصافي الولايات المتحدة.

أما في أسواق التصدير الأخرى مثل غرب إفريقيا، تبدو غير مستقرة، حيث بدأت هذه الأسواق استيراد البنزين من مصافي ساحل الخليج الأمريكي. المملكة العربية السعودية، التي كانت في السابق مستوردا كبيرا للبنزين، ستصبح قريبا مصدرا للبنزين مع تزايد طاقات التكرير المحلية وتشغيل مجمع أرامكو السعودية - توتال للتكرير والبتروكيماويات (ساتورب) في مدينة الجبيل الصناعية بطاقة 400 ألف برميل في اليوم.

المنافسة مع مراكز التكرير الأخرى في العالم تؤثر أيضا في المصافي الأوروبية. على سبيل المثال، مصدرو المنتجات من الولايات المتحدة، الخليج العربي وآسيا-المحيط الهادئ اخترقوا أسواق الديزل الأوروبية التي كانت تجهز في السابق من المصافي المحلية. إن التوسع الذي شهدته مراكز التكرير في آسيا - المحيط الهادئ قد عزز من إنتاج وقود الديزل بصورة أكبر من نمو الطلب عليه في المنطقة. حيث إن الهند، كوريا الجنوبية، اليابان، وبدرجة أقل الصين، جميعها دول مصدرة صافية لنواتج التقطير المتوسطة، ما نتج عنه فائض في الإمدادات تجاوز مليون برميل في اليوم في عام 2013. مصافي منطقة الخليج العربي الجديدة الأخرى، التي من المتوقع أن تبدأ بالعمل على مدى السنوات الثلاث المقبلة، ستنظر أيضا إلى أوروبا كمستورد محتمل للديزل.

الخيارات المتوافرة لصناعة التكرير الأوروبية محدودة، أو ربما محصورة فقط في تقليص طاقاتها الإنتاجية.

السؤال الوحيد هنا هو: كيف ستتمكن أوروبا من إغلاق طاقاتها الفائضة بسرعة؟ معظم المصافي التي تم إغلاقها بالفعل حتى الآن تفتقر إلى وحدات تحسين. إغلاق المزيد من الطاقات سيزيد من العجز في وقود الديزل، فاسحا المجال إلى المزيد من الواردات من المصافي الحديثة في آسيا والولايات المتحدة. في مرحلة ما من المتوقع أن نشهد تحولا كبيرا بحيث تصبح شركات التكرير الأمريكية مصدرة للعالم. في مواجهة الطموح الأمريكي والتوسع الآسيوي (آسيا - المحيط الهادئ ومنطقة الخليج العربي)، لا تمتلك شركات التكرير الأوروبية أي خيارات.

مقالات مال [email protected] المزيد

التعليقات

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "صحيفة مال الإلكترونية" ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

الفيديو