الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
عندما أنشئت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، قلت حينها إن أهم القضايا التي على الهيئة مواجهتها قبل كل شيء هي تعريف الفساد، عندما قرأت الخطة الاستراتيجية لـ ”نزاهة” تمنيت لو أنها وضعت تعريف الفساد ومن ثم تعريفه للناس كأهم هدف استراتيجي تسعى إليه. وأخيرا صدر مؤشر مدركات الفساد لعام 2013 عن منظمة الشفافية الدولية، وحصلت المملكة على 64 درجة في المؤشر الذي ينصب أساسا على معرفة التصورات العامة بمدى وجود الفساد ”كلما اقتربت الدرجة من الصفر تدل على تصورات عالية بوجود الفساد، وكلما اقتربت من 100 تدل على وجود تصورات عالية بعدم وجود الفساد”، لكن المشكلة في هذا المقياس أنه مبني على تصورات عامة وعلى تعريف عام للفساد وهو إساءة استخدام السلطة من أجل تحقيق منافع شخصية، فالتعريف العام هذا لا يمكّنه من تقديم مقياس دقيق أو حتى بناء مؤشر حقيقي لمدى وجود الفساد أو تأثيره، وذلك برغم الانطباع العام الذي خلفه هذا المؤشر على الأوساط الإعلامية.
لقد تعمق شعوري بالحاجة إلى تعريف واضح للفساد عندما حضرت ندوة معهد الإدارة التي نفذها بالتعاون مع هيئة مكافحة الفساد ”نزاهة” في منتصف الأسبوع الماضي، لقد كان عنوان الندوة واضحا عن الفساد الإداري، ومع ذلك فإن المتحدثين والحضور على حد سواء قد تحدثوا في كل شيء، ولعل الفساد الإداري كان أقل الموضوعات حظا في الحديث، ليس لأنه لم يكن مهما وحاضرا، ولكن لأن الفساد بمفاهيمه التي لا حصر لها كان كالطوفان الذي اكتسح فكر الحضور حتى تلاشى معه موضوع الندوة ومحورها. بل لقد أخذ الحماس بالحضور كل مأخذ وتبنَّوا كل مفاهيم الفساد المتفق عليها وغيرها حتى لكأنك تشعر أن كل شيء من حولنا أصبح فاسدا وأننا نعيش فوق بحر من الفساد، لكن الموضوع مختلف كثيرا وبشهادة مؤشر مدركات الفساد الذي أخبر بأن الإدراك العام يشير إلى أن المملكة فوق المنتصف قليلا. فعلى الأقل هناك أكثر من نصف أعمالنا لم يطلها الإحساس بوجود الفساد، لكن مرة أخرى: أي أنواع الفساد كان يقصدها المدركون الذين شاركوا في الإجابة عن استفسارات المنظمة العالمية؟
قبل أيام كان رئيس هيئة مكافحة الفساد ضيفا على نادي الاقتصادية وكان لي شرف حضور ذلك اللقاء. ولقد ناور الرئيس كثيرا حول طلب ملح جدا لفريق ”الاقتصادية” وهو إصدار مؤشر عن الفساد، أو تقرير واضح نستطيع أن نقارنه من خلاله بين ما أنجزناه في هذا الطريق خلال السنة الحالية ومقارنته بالماضي والمستقبل، نريد أن نعرف من خلال تلك المقارنات أين نحن من الفساد وإلى أين بلغ منا جهده. لكن عبثا حاول الجميع الحصول على وعد قاطع من الرئيس بإصدار مثل هذا الإعلان أو المؤشر، فالمشكلة لم تزل كما هي قائمة، ما الفساد الذي نبحث عنه، ومن ذلك المفسد الذي يجب أن نعلن رقمه. وإلى أحد ما كنت متفهما لموقف ”نزاهة” من هذا الطلب، فالمشكلة لم تزل تدور حول تعريف الفساد بطريقة يمكن قياسه بها. لكن أكثر الأخبار إثارة في حوار ”نزاهة” مع ”الاقتصادية” بالأمس كان إعلان ”نزاهة” تعاونا مع مركز متخصص للبحوث من أجل تنفيذ دراسة شاملة عن الفساد تنتهي بتعريف إجرائي واضح له يمكّن من الانتقال إلى مقاييس دقيقة للفساد المقصود مكافحته من قبل الهيئة وهو مدار عملها، ومن ثم يمكن الوصول إلى مؤشر متقدم في هذا المجال.
وأقول إذا حصل وانتهت هذه الدراسة بهذا المؤشر فقد قطعنا نصف الطريق نحو مكافحة الفساد.
لقد تعلمت منذ الأيام الأولى في دراساتي العليا أن أهم ما يجب العمل عليه عند معالجة قضية، هو: تحديد المشكلة بشكل دقيق، توصيفها، وضعها في شكل أسئلة يجب الإجابة عنها، وتكون الإجابات قابلة للقياس. وهذا هو الطريق الصحيح الذي سارت فيه ”نزاهة” لكن الوقت عامل حاسم، وخاصة أن لدى ”نزاهة” من الإمكانات الكثير. سيظل المجتمع يسأل عن الإنجازات، ولكن يكفي عدد حالات الفساد التي تم الوقوف عليها طالما لا يحق لنا معرفة سوى تلك التي صدرت فيها أحكام، لن يكفي الدرجات الكيفية ”ممتاز، وسط، جيد” فهذه ليست مقنعة تماما، وستجد ”نزاهة” الأسئلة نفسها أمامها كل عام، أين نحن من الفساد؟ لكن في العام المقبل لن تكفي الإجابة السابقة. شخصيا سأنتظر للسنة المقبلة قبل أن أعود إلى الحديث عن موضوع تعريف الفساد، وتحديد مؤشراته، والحاجة إلى بيان واضح من هيئة مكافحة الفساد في ذلك.
نقلا عن الاقتصادية
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال