الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
هناك أهمية بالغة لأخبار الشركات وما يصدر عنها من معلومات وتقارير حول أوضاعها المالية والتنافسية، سواء نتائجها المالية أو أي معلومات متعلقة بالاندماجات والاستحواذات أو التغيرات في حجم وعدد أصول الشركة، أو أي تطورات بشأن خدماتها ومنتجاتها، أو أي تطورات بخصوص عملاء الشركة ومورديها، على سبيل المثال، الحصول على عقود جديدة أو ضياع فرص استثمارية أو عزم جهة ما على رفع قضية ضد إحدى الشركات، وما إلى ذلك. مثل هذه الأخبار يجب أن تكون متاحة لجميع المستثمرين في وقت واحد ودون تمييز لفئة عن أخرى. الحقيقة أن هيئة السوق المالية قامت بالفعل بخطوات كبيرة نحو الشفافية والعدالة بين المستثمرين من مبدأ تكافؤ الفرص والحد من استفادة فئات على حساب فئات أخرى، إلا أنه لا يزال هناك مجال كبير لمزيد من الضبط والسيطرة وهناك حاجة ماسة لمزيد من الشفافية والسرعة في نشر المعلومات.
الإشكالية الرئيسة هنا أن السوق المالية تشترط على الشركات بث معلوماتها عن طريق “تداول”، وهذا أمر لا بأس به في حالة نشر البيانات المالية الفصلية، كونها من الأحداث المجدولة الخاضعة لصياغة معينة وفقاً لآلية محددة ــــ على الرغم مما لدي من تحفظات حول نموذج الإعلان الذي لا يشمل بند المبيعات الذي لا يقل أهمية عن بند الأرباح. ولكن هناك معلومات مهمة كثيرة تصدر يومياً عن الشركات، بعضها تجد طريقها إلى “تداول” وتُنشر على موقع “تداول” الإلكتروني قبل افتتاح السوق، وبعضها معلومات مهمة لا تنشر رسمياً، فيتم تناقلها بين المتداولين من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى بشكل سري بين فئات معينة من المتداولين. ما الخلل؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة والشفافية بين المستثمرين؟
هناك نوعان من المعلومات المتعلقة بأخبار الشركات، النوع الأول هو المعلومات الجوهرية التي تؤثر في حركة سعر السهم لما لها من تأثير في واقع الشركة ومستقبلها، والنوع الثاني هو المعلومات غير الجوهرية أو التي ليس لها تأثير مباشر وواضح في سعر السهم. توجد بالفعل تنظيمات محددة من الهيئة بخصوص المعلومات التي تعتبر جوهرية، وهناك عقوبات على الشركات التي لا تلتزم بنشرها في الوقت المحدد، وهذا أمر جيد، غير أن الآلية الحالية لنشر المعلومات التي من الواجب القيام بها من خلال “تداول” تتسبب في تأخر نشر المعلومات، وبالتالي في زيادة احتمالية تسرب الأخبار إلى بعض الأطراف قبل غيرها. تخيل شركة لديها معلومات مهمة جداً ظهرت أثناء فترة التداول، ما الذي عليها أن تقوم به؟ هل من الحكمة أن تُترك المعلومة لدى الشركة وأسهمها مفتوحة للتداول في السوق، ولا أن نتوقع تسرب محتوى المعلومة بشكل أو آخر إلى أشخاص من داخل الشركة أو خارجها، وبالتالي قيامهم بالتداول بناء على ما حصلوا عليه من معلومات؟
إن ضرر عدم نشر المعلومات الجوهرية أثناء فترة التداول كبير، وجزء كبير من المشكلة سببه أن المعلومات الرسمية لا تنشر إلا من خلال “تداول”، التي بطبيعة الحال لا تستطيع ولا من المستحسن لها أن تتحول إلى وكالة بث إخبارية. بينما لو يسمح للشركات ــــ أو ربما حتى تُلزم الشركات ــــ بنشر معلوماتها المهمة بأنفسها من خلال مواقعها الإلكترونية أو أي وسيلة أخرى تختارها، لكان أفضل للمستثمرين، ولما تمكنت فئات معينة من تحقيق أرباح على حساب الآخرين.
لقد عالجت هيئة الأوراق المالية والأسواق الأمريكية هذه الإشكالية بالسماح للشركات في عام 2008 من استخدام مواقع الإنترنت للشركات كوسيلة رسمية لنشر المعلومات الجوهرية، وفي عام 2013 سمحت باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي كذلك كوسيلة رسمية لنشر المعلومات. الفكرة هنا أن الإنترنت أصبحت وسيلة عامة، سهلة وفعالة وغير مكلفة لنشر المعلومات، فيكون من الواجب الاستفادة منها للتواصل المباشر بين المستثمرين والشركات، دون الحاجة إلى موقع مركزي لنشر المعلومة. ثم لا ننسى أن “تداول” ذاتها تستخدم الإنترنت في نشر المعلومات، وتقوم بذلك من خلال موقع إلكتروني. لماذا إذاً لا تقوم الشركات بنشر بياناتها بأنفسها؟ ولماذا لا تُنشر المعلومة فوراً في أي وقت من الأوقات؟ إن اتفقنا إذاً على ضرورة نشر المعلومة في وقتها، فيكون من الواضح أنه لا يمكن لشركة السوق المالية القيام بذلك، كما أن قيامها بذلك لا يحقق أي قيمة مضافة ولا فائدة، بل إنها تبقى مجرد وسيط معيق لنشر المعلومة.
نقطة أخرى أخيرة بخصوص أهمية نشر المعلومات والمحافظة على سريتها، وهي أن على هيئة السوق المالية المسارعة بإصدار تنظيم معين يشترط على جميع الجهات الحكومية التي لديها معلومات ذات طابع مالي أو اقتصادي حساس، والتي من الممكن أن تتسبب في تغيرات حادة في حركة أسعار الأوراق المالية، أن تُلزم هذه الجهات باتخاذ تدابير واحترازات محددة للمحافظة على المعلومات، إلى أن يتم نشرها. الحقيقة أن هناك عددا كبيرا من الجهات الحكومية ممن تنشأ لديها بين الحين والآخر تطورات جوهرية، ذات تأثيرات بالغة في بعض الشركات المدرجة، ومن ثم نجد أن هذه التطورات تناقش من قبل لجان متعددة أوحتى من قبل إدارة معينة، وتكون هناك مراسلات بشأنها بين أطراف عديدة، فتتسرب المعلومة إلى جهات دون غيرها. على سبيل المثال، هناك قرارات بالغة الأهمية تتخذها الجهات الحكومية وتؤثر بشكل مباشر في حركة الأسهم، مثل دراسة إعداد نظام من شأنه إحداث تغييرات جوهرية في أحد القطاعات، أوالسماح بالاستيراد أوالتصدير لمنتجات معينة، أوإعلان برنامج إسكاني ضخم، أو قرار تنظيمي بشأن عمالة أحد القطاعات أو حتى رفع معدل الفائدة أو خفضها. الواجب في مثل هذه الحالات أن تقوم الجهة الحكومية على الفور بتصنيف الموضوع على أنه ذو طابع مالي حساس ويتم تناوله بدرجات معينة من السرية والحذر. كما أن من الواجب محاسبة من يقصر في تطبيق ذلك، علاوة على معاملة جميع من لهم علاقة بالموضوع تماماً كمعاملة المسؤولين في الشركات فيما يخص التداول بناء على معلومات داخلية.
ختاما، لاأقلل أبدا من دور هيئة السوق المالية وما تبذله من جهود في سبيل ضبط السوق المالية، غير أن هناك مجالاً واسعا لبذل مزيد من الجهود لمنع تسرب المعلومات واستفادة فئات معينة على حساب بقية المستثمرين، ويتم ذلك من خلال تطوير عملية نشر معلومات الشركات والاستفادة من الإنترنت في ذلك.
نقلا عن الاقتصادية
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال