الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
لاحظنا في الآونة الأخيرة وجود تقنية مستحدثة ظهرت مع تطور وسائل الاتصال وهي إتاحة البث والاستقبال لكل من أراد عبر وسائل متاحة لجميع مستخدمي الهواتف والأجهزة الذكية، عقب ظهور سلسلة من التطبيقات التي تتيح ذلك. وكان آخرها تطبيق (سنابتشات) الذي يعد الأكثر استخدامًا وانتشارًا، وطريقًا سريعةً وسهلةً لتحقيق الشهرة والمال وبالتالي السلطة.
فأصبح كل من يستعرض موهبته أو أطفاله أو وسامته أو إمكانياته بالمكياج أو التهريج أو التبجح يستطيع أن يكون شخص مؤثر وأن يحصل على الاعتراف الاجتماعي. والنتيجة كانت تكرار حالات تحول هؤلاء المشاهير لوعاظ وناشطين اجتماعيين ومقدمي نصائح وتوعية بعدما درّ عليهم التهريج والابتذال أموالًا طائلة وأرصدةً في البنوك وحققوا من خلال ذلك شهرة واسعة.
المثير للاهتمام هو التناقض المتمثل في انخفاض مستوى حرية التعبير في الإعلام الرسمي ووجود رقابة تصل لحد القمع على صوت العقل والإصلاح والتعبير الرصين، بينما نلاحظ انفلات كامل في التعبير على سنابتشات وغيره من التطبيقات المشابهة، ووجود مساحة كبيرة من الحرية في الظهور وعرض محتوى بلا قيمة من قبل “رواد” مواقع التواصل الاجتماعي وتركهم يتحدثون ويتشاجرون ويعرضون خصوصياتهم بما فيها من ابتذال -وأحيانا انحلال- كما يحلو لهم. والمؤلم أن الاطلاع على هذا المحتوى متاح لكل من يملك هواتف وأجهزة ذكية بما فيهم الأطفال والمراهقين.
لا أجزم أن ذلك أمرًا سيئًا بحد ذاته ولكن أستطيع أن أجزم أنه يحتاج لوقفة، وأن فكرة الصعود السريع والثروة التي تهبط فجأة تحتاج إلى دراسة.
المثير للاهتمام هو انتقال عدوى الظهور لأوساط المهنيين. فبِتْنا نرى حسابات المحامين على سنابتشات تتوالد مثل الأرانب وتزداد يومًا بعد يوم، وجمهور ينتظر دائمًا إطلالة المحامي -التي لا يمكن أن تكون دون كامل مظاهر النجومية- وقططه وقهوته وأحيانًا محتوى قانوني يستهله بالعبارة المستهلكة: “سأتكلم اليوم عن” وعليه إذنْ كل يوم أن يقدم شيئًا، وزميلة تتحدث عن حقوق المرأة العاملة أو عقوبة الإعدام أو عن واقع حقوق الإنسان، وكل ذلك لا يمكن أن يكتمل دون فلاتر تجميل الصورة وطوق الورد.
فهل ظاهرة المحامي النجم “محاميستا” طبيعية؟ أم أننا يجب أن نقف أمامها ونفكر؟ ليس غريبًا أن يبحث التافهون عن النجومية والاعتراف دون جهد لكن ماذا عن المحامين؟ الذريعة دائمًا هي تقديم خدمة اجتماعية وتوعية قانونية وكأن هذه هي وظيفة المحامي الأساسية. وبعد أن تسابق المحامون إلى الحصول على عضويات اللجان والجمعيات والهيئات صاروا يتسابقون على سنابشات ليعيش الناس حياة المحامي بتفاصيلها التي غالبًا لا يوجد فيها ما يتصل بحياته في المهنة.
ما يقدمه المحامون النجوم من مزيج من المعلومات القانونية غير المهمة -وغالبًا غير الدقيقة- والحياة الشخصية، ما هو؟ وماذا يُسمى؟ هل له صلة حقيقية بالمهنة، أم أنه فقط استغلال كون الشخص محامي يُفترض أن لديه ما يُقدمه لتحقيق الشهرة؟ فهل المحامين وما يقدمونه يجب مراجعته؟ وإذا كانوا محامين لديهم مهنة تتطلب عملًا دائمًا؛ فكيف يكون لديهم كل هذا الوقت ليبثوا دون انقطاع، ويستعرضوا مجالسهم وقهوتهم وأطفالهم وخبرتهم الطبية عن الزنجبيل والشاي الأخضر؟
ومع تأسيس هيئة المحامين هل سيكون هناك قواعد لظهور المحامين الاجتماعي؟ وهل تساءلوا ماذا سيكون موقف زميل من مجتمع (من المجتمعات المتقدمة في المجال القانوني والقضائي) اعتاد المحامي فيه أن يعمل ما لا يقل عن 70-75 ساعة أسبوعيًا ليجد طريقه نحو النجاح المهني -والنجاح المهني يقاس في كل مجتمع وفق معايير معينة- حينما يعرف أنك نجم قانوني وأنت محامي أقل من عادي وكثير مما تعرضه يسيء للمهنة ويُظْهِر أهواء المحامي وسواليفه -وأحيانًا مشاجراته- على العلن؟
لا أعرف اذا كان الزملاء يرون ذلك طبيعيًا وما هو موقف وزارة العدل، أو هيئة المحامين، أو لجنة المحامين، أو الغرفة التجارية، أو أي جهة قد ينتمي لها المحامي السعودي الحائر المحتار؟ هل هو ممارسة للمهنة واحترام لها ولقواعد العمل في المجال-كما في كل مكان في العالم- أم ابتذالٌ لها وللذات التي هي الشيء الوحيد الذي يباعُ في كل هذا ويُشترى؟ وأتمنى حقيقةً أن أعرف مقابل ماذا يستثمر المحامون كل هذا الوقت والجهد بعيدًا عن مهام المهنة الحقيقية والتزاماتها؟
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال