الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
أحد أبرز التكاليف التي تواجه الشركات هو التزايد في عدد الموظفين وارتفاع التكاليف المرتبطة مما يؤثر على ربحية الشركة وتدفقاتها النقدية ومتابعتهم التنظيمة والقانونية. ما الحل؟ الموظف مكلّف لكننا نحتاج إلى العمل لينجز! نشأت فكرة Hub Team و Offshore و Outsource وغيرها، هذه الحلول تصب في النهاية إلى تقليل العبء على الشركة باختلافات بسيطة بينها من ناحية طبيعة العقد وملكيته.أحاول في هذا المقال أن طرح مبادرة اجتماعية اقتصادية قد تُسهم في حلّ جزء من مشكلة البطالة في السعودية، تزيد من جاذبية الاستثمارات الأجنبية وتسهيل دخولها للشرق الأوسط، ومن ثم تقليل التكتل السكاني في المدن الكبرى في السعودية.
هذه المراكز تعتمد على توفير الخدمة عن بُعد للشركة، والعلاقة قائمة على تسعير محدد لكل عملية أو ساعة عمل أو طلب أو اشتراط شهري. والتنوع الموجود الآن يغطي كثير من المجالات: الدعم الفني والتقني، الموارد البشرية، المحاسبة والمراجعة، والتصاميم الهندسية بل حتى الاستشارات الفنية والمهنية. هناك دول بدأت تتركز في هذا المجال بسبب رخص الأيدي العاملة كالهند ومصر. ولكن السؤال هل ممكن محاكاة هذه التجربة داخل بلدنا العزيز؟ أعتقد وبقوة أنه نافع لكل الأطراف: الشركة، الموظف، والدولة.
أوضحت نتائج المسح الذي قامت به هيئة الإحصاء أن معدل البطالة كان الأعلى بين السعوديين في منطقة الجوف بمعدل %26.6 ويليها منطقة حائل والمدينة حيث زادت عن %18.5 وقد كان معدل البطالة الأقل في المنطقة الشرقية %8.6. وبشكل عام فإن أعلى نسبة بطالة من الشرائح العمرية هي 20-24 سنة حيث تشكل 8.38% كما الربع الثالث 2018 من هيئة الإحصاء. . عُمرٌ مهم لتكوين الشخصية والجدية في العمل وفهم الحياة مضى على هذه الشريحة بين طرق الأبواب وإرسال السير الذاتية والمكالمات وأحياناً كثيرة ضياعاً للأوقات بل حتى الجوانب الرياضية ضعيفة في هذه المناطق حيث يشير الدراسة التي أجرتها الهيئة بأن هذه المناطق هي الأقل ممارسة للرياضة أيضاً! فما هي التكهنات للنتائج ؟ شريحة شبابية بدون وظائف تشغل فكرهم ووقتهم ولا رياضة تشغل أجسادهم وأذهانهم!
وبالنظر إلى الراوتب والأجور فتجد أن الفارق يصل إلى 50% بين من يعمل في منطقتي الرياض والشرقية مقارنة بكافة أنحاء المملكة فعلى سبيل المثال أقلّ المناطق من ناحية رواتب الذكور -لأن الإناث لا يوجد فوارق في الرواتب بين المناطق- بالترتيب الأدنى: الجوف، الباحة، نجران، جازان، الحدود الشمالية، ثم حائل. وهذا يعني لو أن الموظف يعمل في الرياض ويستلم 10 الآف ريال فإنك ستجد شخصاً آخر في نجران مستعد للقبول بالوظيفة ذاتها بـ 5 الآف ويبقى في منطقته مع الحفاظ على جودة المنتج. ألا ترون يا معشر القرّاء الكرام أن هذا التنوع الإيجابي في المناطق يُعطي فرصة جميلة للنمو والتوظيف؟ مُدننا الكبيرة تغصّ بعدد مهول -وبتزايد مخيف- من السكان والمنشآت والقطاعات الحكومية وحتى الخيرية. شيء جميل أن تتنوع الأعراق والأصناف لكن المشكلة تكمن بأن المناطق الأخرى أوشكت على الاندثار الوظيفي وتشتت أهلها بسبب البحث عن الفرص. إن الموظف وبسبب رخص التكاليف المعيشية هناك-مقارنة بالمدن الكبيرة- مستعد وبكل سعادة أن يقبل بالمبلغ الأقل.
مجال النمو في هذا القطاع سيتجاوز حتى حدود المملكة العربية السعودية فقد نستطيع تغطية دول الخليج وأخرى بسبب عامل اللغة. بل لو وضع خياراً للشركات الأجنبية أن تعمل في السعودية وتتعاقد مع هذه المراكز “Hub” أو “Offshore” فإن المستثمر يجدها فرصة لتقليل أعباء فهم السعودة وشروطها ومتابعاتها بالإضافة إلى توفير الوقت في العمليات اليومية الشتغيلية والتي تستهلك كثير من الوقت والمال والجهد.
السؤال الجوهري كيفية التنفيذ؟ لا أعتقد أنه سهل لكن ليس بالمستحيل. لنبدأ بتحديد المجالات التي من الواضح شحّ السوق فيها كالمجال المحاسبي-160 ألف وظيفة ونسبة السعودة فيها أقل من 10%- ولوازمه من مراجعة وتدقيق وملفات وتبويب وإدخال البينات. ثانياً استقطاب شخصيات وصلت مرحلة من الخبرة العالية في سوق العمل والتخصص وأن يكون أصلاً من هذه المنطقة ليبدأ بمرحلة النقل المعرفي والتقني للفريق المنتقى. ثالثاً تأسيس آليات وإجراءات في المتابعة والتأكد من الجودة.
لنجعل المركز يعمل على 5000 موظف. قد يتسائل شخص وكيف نأتي بهذا العدد وكل عدد خريجي الجامعات السعودية في هذا المجال أقل من 2000 في السنة؟! فأرى أن يفتح المجال لغير المختصين في المحاسبة في الدخول -بعد دراسة قصيرة و مكثفة لأساسيات المحاسبة- لأن كثيراً ممن يسكن في المناطق الإدارية غير الرئيسية تجد أن تخصصاتهم لم تبنى على احتياج السوق أو الجدوى المستقبلية أو حتى الرغبة الشخصية إنما كان العامل الوحيد هو مدى الإتاحة فتجد كثير منهم يتخصص في مجالات الكليات القريبة منه! الشاب والشابة قد لا يُلام على هذه الخيارات لأنه يَفترض بأن منطقته يجب أن تلبي كل احتياجاته الرئيسية فلذا يحاول أن يكيّف نفسه عليها. وليكن في كل منطقة أكثر من مركز اختصاصي ففريق عمل مالي، وآخر في مجال الاستقطاب، وآخر في الدعم الفني وهكذا، وفي نهاية الأمر خَلقت ما يقارب 20 ألف وظيفة في كل منطقة مما يعني خففت العبء عن المدن الكبرى بنسبة أكبر بسبب روابطهم الأسرية. ولا ننس أن هذا أيضاً سيقود إلى تقليل نسبة الأجانب بسبب كثرة البدائل المتاحة.
في نهاية المطاف، الموظف لا يبحث فقط عن المال بل السعادة والارتياح النفسي في العمل. وهذا يتمّ حينما يعيش كما يريد وحين توفر له الأساسيات التي تجمع بين قربه من عائلته -وهي ميزة ولله الحمد لازالت في مجتمعنا- وجماعته والحياة العملية الوظيفية. الأوقات المتوفرة لمن يسكن في هذه المناطق بسبب سهولة المواصلات وتقارب الوجهات تمكنهم من العمل ساعات إضافية مما يعني أنه قد يحصل حتى من ناحية الراتب مبالغ قد تعادل غيره في المناطق الرئيسية.
مشروعٌ جبار واقتصاديٌ مثمر لكن يحتاج إلى قرارات جريئة وتكاتف بين جهات حكومية ورواد القطاع الخاص ومراكز تقنية وتدريبية. أجزم أن ثماره ستُجنى حلوة ودائمة وستنمو مناطق ضعيفة ويخف-ولو جزئياً- التكتل البشري في المدن الكبيرة وترتاح الشركات من التكاليف الإضافية المرتبطة بالموظفين. وسيخلق مركزاً خدمياً في منطقة الشرق الأوسط مما سيقود ويدعم الاقتصاد المحلي معززاً بذلك رؤيتنا الفريدة 2030.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال