الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
شاهدت قبل عدة سنوات ضمن محاضرة دراسية بالولايات المتحدة فيلماً وثائقياً عن “العالم بعد النفط” وهي سلسلة أفلام مشهورة تتضمن توقعات لما سوف يكون بعد استهلاك الإنسان لأخر برميل نفط تم استخراجه وبالتالي نفاذ المخزون، ويوضح مضمونها مدى الأهمية الكبيرة للنفط في الحضارة التي وصلت لها البشرية في السنوات الأخيرة، والتي سيؤدي فقدان النفط وعدم وجود بديل له، بالتالي إلى تقهقر هذه الحضارة.
اليوم وبعد وصول النفط إلى أقسى انخفاضات في تاريخه على الإطلاق، فقج تغيرت المعادلة، فالقضية الأن أصبحت مسألة بقاء وليست حرباً تجارية صناعية أو رهاناً على رفاهية وحضارة. حتى مع نظريات المؤامرة وغيرها من النظريات التي لم تعد لها قيمة حقيقية، فالأوبئة العالمية أمر موجود من قبل ظهور الحضارة الغربية والتطور العلمي وتصنيع الفيروسات في المعامل كما يقال، وأذكر هنا مثالاً عن الإنفلونزا الأسبانية وهي وباء عالمي تزامن مع عام (السخونة) في الجزيرة العربية والذي كان بين عام 1918 م و 1920 م وهناك ما يؤيد انتشار هذه الإنفلونزا بنفس الأعراض في جميع أنحاء العالم في ذلك الوقت، فهل كانت مؤامرة!! الإجابة والإحتمال الوحيد هو: لا.
أرد على القائل بأنها (حرب عالمية) هي فعلاً حرب عالمية، لكن ليست بين قوى عظمى في العالم، بل هي حرب بين هذا الفايروس الذي لا يرى بالعين المجردة، وبين العالم بكل شعوبه وأعراقه، وهذا يتطلب من الجميع وقفة واحدة ضد العدو الأوحد، ورغم ذلك لن يسلم الإقتصاد العالمي من الأثر العميق لهذه الأزمة، حتى في حالة إيجاد لقاح خلال عام ونصف، سيكون العالم ما بعد كورونا مختلفاً كلياً.
سأضع الإختلافات في إطارها الصحيح، من النواحي الثلاثة الأساسية، الإجتماعية ، الإقتصادية، والبيئية. وسأبداً بالأخيرة -البيئية-، التي يلاحظ أن نتائجها قد بدأت تظهر بشكل واضح للعيان، في مدن مثل فينيسيا وغيرها حيث تحسنت البيئة المائية وعادت الأسماك للظهور وأصبحت المياه زمردية شفافة بعد أن كانت تميل للسواد!، كما يلاحظ الجميع نقاء الجو الغير معتاد في مدن كبيرة مثل جدة وميلان. كل هذا حدث بعد انسحاب الإنسان في إجازة -إضطرارية- لمدة لا تتجاوز أياماً معدودة. ولذلك قد تفرز السنوات القادمة قوانين بيئية لإعطاء الشوارع إجازة برتبة -حظر تجول- وذلك لمنح المرافق والشواطئ فرصة لتتنفس وبالتالي تتحسن البيئة والحياة الفطرية مما ينعكس إيجاباً على صحة الإنسان.
ومن الناحية الإجتماعية نجد أن التواصل المباشر بين الأشخاص، إضافة للتجمعات وما شابه ذلك ستنخفض معدلاتها بعد أن تآلف الجميع مع البيئة الإلكترونية لا سيما أن الجيل الجديد قد تعود بشكل كبير على التواصل الإلكتروني أكثر من المباشر، لذلك سنشهد تحولاً كبيراً في العادات الإجتماعية سيقوده أبناء الجيل الجديد وهذا سيقلل بشكل كبير من قيمة العلاقات والصداقة والمراتب الإجتماعية والعائلية وغير ذلك.
أما من ناحية الإقتصاد، وهو المحور الرئيس، سنجد أن وظائف الشركات ستتحول مستقبلاً -سواءً مع كورونا أو بدونها- وبنسب تتراوح بين 50 إلى 70% إلى العمل عن بعد أو حتى عمل بدوام جزئي، وهذا الأمر اليوم أضحى أمراً واقعاً لاسيما في هذه الفترة، مما يجعل من السهل مراقبته وتحليله من قبل إدارة الموارد البشرية وبالتالي التوصل إلى نتائج مفيدة للمرحلة القادمة، وقد تكون من أهم نتائج مراقبة الموظفين -عن بعد- خلال أزمة كورونا هي -اكتشاف- الموظفين الغير منتجين وبالتالي تقليص أعداد الموظفين في مرحلة بعد كورونا. أما عن حجم رواتب موظفي العمل -عن بعد- مقارنةً بالرواتب الحالية، بطبيعة الحال، وكنتيجة لتغير -طبيعة- العمل ومكانه، سوف يكون هناك تغيير جذري في سلم الرواتب وأتوقع أن تنخفض الرواتب بنسبة تصل إلى 50% من الرواتب الحالية.
لتكن جاهزاً لمواجهة العالم ما بعد كورونا، أولاً بالتخلص من أي التزامات طويلة الأجل، من قروض وغيرها، وثانياً بالعمل عن بعد في مجال تخصصك لدى عدة جهات وتطوير الذات في أحدث التقنيات ليكون لك مكان دائم في سوق العمل الذي سيتحول جذرياً، بعد كارثة كورونا.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال