الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تعرَّضت منشآت القطاع الخاص، أسوةً بغيرها من الوحدات الاقتصاديَّة إلى صدمة اقتصاديَّة غير متوقعَّة من جرَّاء الإجراءات الاحترازيَّة والوقائيَّة المفروضة للحدِّ من انتشار الجائحة، وحماية الصحَّة العامَّة، وعوامل متداخة أُخرى.
ما أفرزته الجائحة من تداعيات اقتصاديَّة، عمَّقت المشاكل الماليَّة للشـركات الخاصَّة، وأنهت فعَّاليَّات الكثيرمنها. وما برحت تهدِّد ديمومة نشاط عدد هائل آخر من الشركات. وما لم يطرأ تحسنٌّ كبيرٌّ وسريعٌ على اقتصاديات الدول، أو تعجِّل الحكومات تفعيل برامج الإنقاذ المالي الخاص، فَمآلُ تلك الشركات الانهيار.
ما سبب الانهيار الكبير السريع لكثير من شركات القطاع الخاص؟ وعدم صمود شركات عالميَّة متعدِّدة الجنسيَّات أمام تداعيات الجائحة، إثر توقُّف تدفقاتها النقديَّة لمدَّة زمنيَّة قصيرة نسبيًّا؟
ما الذي دفع إدارة شركة “أوبرتكنولوجيز- Uber Technologies” العالميَّة إلى تسـريح 6700 موظَّفٍ؛ منهم 3700 موظَّف دائم! بعد أَن كانت قد أعلنت في الثالث من شهر كانون ثانٍ/يناير الماضي عن صفقة الاستحواذ على شركة “كريم” البالغة 3.1 مليار دولار؟
ما هي الأسباب التي أجبرت إدارة سلسة متاجر “جي سي بني- JCPenney ” الأمريكيَّة العملاقة إلى اللجوء لقانون الحماية من الإفلاس، وإغلاق 846 فرعًا بعد 118 عامًا من النشاط التجاري المتواصل؟
الكثير من المنشآت داهمتها الأزمة غيرمهيَّئة ومثقلة بالتزامات ماليَّة كبيرة، وإخفاق إداري وتحدِّيات تسويقيَّة مرهقة. منشآت متعثَّرة تمكَّنت من إدامة نشاطها عبرالاقتراض، والحصول على ائتمانات وتسهيلات مصرفيّة، وإعادة جدولة الديون، أو تغطيتها بديون جديدة بأسعار فائدة عالية. يضاف إلى ذلك، عدم وجود استراتيجيَّة متكاملة، وغياب عناصر القيادة والسياقات الإداريَّة السليمة، وعدم توفر خطَّة ماليَّة وتسويقيَّة واضحة.
ثمّة العديد من الأسباب والعوامل التي أسهمت في “فقدان مناعة” الكثير من شركات القطاع الخاص، وعدم صمودها إزاء ضربة الجائحة الخاطفة التي لا يتَّسع حيِّز هذا الإسهام لسـردها وتحليلها، بإستثناء تقديم العامل الأكثر أهميَّة.
ركَّزت خطط المنشآت الخاصَّة على تحقيق أهدافها الأساسيَّة؛ الربحيَّة والاستقرار والنمو، وبناء علامة تجاريَّة باستخدام آليَّات ماليَّة وتسويقيَّة وإداريَّة تعتمد زيادة الإيرادات، وتعزيز الميزة التنافسيَّة، وتوسيع الحصَّة السوقيَّة، وترشيد النفقات، وتطوير أداء العاملين فيها. مع كلِّ ذلك، أهملت كلَّيًّا مبدأ “القدرة على الاستمراريَّة “، وتغافلت عن وضع خطط لمواجهة التقلُّبات الاقتصاديَّة الداخليَّة، والأزمات العالميَّة المستقبليَّة المفاجئة كالتي يعاني منها الاقتصاد العالمي حاليًّا.
تعريف مفهوم “القدرة على الاستمراريَّة”
ما يسترعي الانتباه، أنَّ مبدأ القدرة على الاستمراريَّة مع أهميَّته، لم يسبق تعريفه بشكل محدد كما تذهب اليه هذه المساهمة ، ولم يحظَ باهتمام المعاهد الأكاديميَّة، ومكاتب الاسستشارات الماليَّة والاقتصاديَّة، وإدارات المنشآت، باستثناء إشارات جزئيَّة عابرة وردت في عدد قليل جدًّا من البحوث الأكاديميَّة التي قدَّمته واحدًا من معايير تقييم الخطَّة الماليَّة للمنشأة، وليس هدفًا حيويًّا من أهدافها.
“القدرة على الاستمراريَّة”؛ قدرة المنشأة على استيعاب الصدمات الاقتصاديَّة، وتحمُّل الأعباء الماليَّة المفاجئة، الناجمة عن تغيرات داخليَّة أو خارجيَّة، وامتصاص زخمها وتجاوزها، والمحافظة على مستوى نشاطها وحجم إيراداتها وأرباحها وحصتها السوقيَّة، أو إعادتها إلى مستوى ما قبل الصدمة في حال تراجعها.
تمتُّع المنشأة بميزة “القدرة على الاستمراريَّة”، يتطلَّب احتواء استراتيجيَّتها عناصر المرونة والقدرة على التكيُّف، والاستجابة السريعة، وخطط مواجهة التحدِّيات المستقبليَّة المفاجئة، احتياط مالي، وتسهيلات ائتمانيَّة غيرمستنفذة، وأسواق احتياطيَّة بديلة. توفُّر هذه العناصر لا يمنح المنشأة حصانة مطلقة ضدَّ الصدمات الاقتصاديَّة غيرالمتوقَّعة، لكنَّها ترفع قدراتها على امتصاص الأزمات وتجاوز تداعياتها بأقلَّ قدرٍ من الخسائر.
ثمَّة عدّة مؤشِّرات تدلُّ على استمرار الصعوبات الاقتصاديَّة الراهنة، وإن بمعدَّلات متناقصة خلال الأشهر المتبقيَّة من السنة الراهنة، والنصف الأول من السنة المقبلة. بالمقابل، هنالك مؤشِّرات على بداية مرحلة الانتعاش التدريجي للاقتصاد العالمي، إثر تخفيف الكثير من الدول الإجراءات الوقائيَّة، وإعادة الحياة إلى مسارها الاعتيادي. سرعة تحسُّن النشاط الاقتصادي، يعتمد على جملة من المتغيِّرات؛ أكثرها أهميَّة حجم برامج الإنعاش المالي الحكومي وفعاليَّته، وسلوك المكوِّنات الاقتصاديّة الأُخرى.
في هذا السياق، إدارة المنشآت ، المتوسِّطة منها والصغيرة خاصَّةً ، مُطالبة بدراسة تجربتها، وتحليل مصاعبها الناجمة عن صدمات الجائحة، وتقييم أدائها بموضوعيَّة وعلميَّة. وعليها أيضًا تشخيص إخفاقاتها، واستيعابها كتجربة تستثمر لمجابهة التحدِّيات الاقتصاديَّة المستقبليَّة. والأهمُّ من كلِّ ذلك، تضمين استراتيجيّتها عناصر مبدأ “القدرة على الاستمراريَّة ” المشارِ إليها أعلاه.
في المستقبل المنظور، وفي ظلِّ ارتفاع حدَّة المنافسة الاقتصاديَّة الداخليَّة والخارجيَّة، واستمرار التحدِّيات الاقتصاديَّة والماليَّة، ديمومة نشاط والنجاح لن يكونا حليف المنشآت الأكبر والأقوى، بل المنشآت الأكثر قدرة على الابتكار والاستجابة للمتغيِّرات الاقتصاديَّة والماليّة والتنافسيَّة. وأكثر تحديدًا للمنشآت التي تمتلك القدرة على الاستمراريَّة.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال