الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
في المقالات السابقة، تحدثت عن أهمية زراعة ثقافة الثقة في المؤسسة وأهميتها لمحاربة الفساد، ومن وسائل زرع الثقة هو حوكمة هذه المؤسسات حوكمة رشيدة. اذا السؤال الان، ماهي العلاقة بين الحوكمة و ثقة المرؤوسين برؤسائهم والعكس صحيح داخل المؤسسة وثقة المستفيدين بالمؤسسة بمستوى ادائها من خلال تحقيقها مصلحة المؤسسة وليس المصالح الشخصية؟ سأتكلم بشكل مبسط و مختصر للأزمة الثقة التي عانت منها الشركات الامريكية بين عام ٢٠٠١-٢٠٠٤ والتي أثرت بشكل سلبي على سوق الأسهم وعلى الاقتصاد الأمريكي بشكل عام.
العالم عانى على مدار التاريخ من عدة موجات من الركود الاقتصادي. لكن الركود الاقتصادي التي عانت مها الولايات المتحدة الامريكية من ٢٠٠١ الى ٢٠٠٤ يعود لعدة اسباب. منها عوامل امنية تتعلق بهجوم ١١ سبتمبر ولكنها لم تكن ذات تأثير كبير على الاقتصاد بقدر فقاعة سوق الاسهم الامريكي. لذلك كانت العوامل العاطفية المتعلقة بأزمة الثقة وعدم التنبؤ بمستقبل الشركات المالي و التي تولدت من عدم أداء شركات المحاسبة الكبرى لعملها بما يحقق المصالح العامة المتمثلة بمصلحة الشركات والمستفيدين منها مما ادى الى ظهور الفضائح المحاسبية التي أدت الى انهيار أكبر شركات المحاسبة آنذاك. شركات المحاسبة تعتبر نفسها شركات رقابية على حسابات الشركات التي تراجع حساباتها، لذلك يطلق عليها مصطلح watchdogs of business firms، ولم يكن القائمين عليها أو الدول نفسها مهتمة بالتجاوزات القانونية وعمليات الاحتيال والتزوير في الأرقام التي قد تحدث من قبل العاملين فيها، وذلك لأن معدل الثقة بهذه الشركات كان مرتفع. لذلك، عند البحث في أسباب عدم الرقابة على الشركات المحاسبية، حصر الباحثين ٣٣ شركة محاسبية، و وجدوا أن شركات المحاسبة تعاني ٣١ اي بما يعادل ٩٤٪ من عدم وجود قوانين و لوائح محاسبة، كما ان سوق الاسهم ايضا كان يعاني من عدم وجود قوانين كافية لإحكام الرقابة على الشركات. بل على العكس، كانت شركات المحاسبة الخمس الكبرى والتي تسمى بالـ “Big Five” تمارس ضغطها الكبير على الكونغرس لتمرير سياسات تمنحها المزيد من الصلاحيات لتقديم الخدمات لعملائها. هذه الشركات هي: Arthur Andersen, Ernst & Young, PricewaterhouseCoopers, Deloitte & Touch, and KPMG.
في عام ١٩٩٩ تقدم Arthur Levitt, رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصة الأمريكية آنذاك “SEC”، بالمطالبة بوضع قيود على شركات المحاسبة لمنع كوارث اقتصادية تهز الثقة بالاقتصاد الأمريكي. لذلك تقدم للكونجرس لتقييد شركات المحاسبة قانونيا من خلال منعها من تقديم خدمات تكنولوجية وتقنية لعملائها التي تعمل على مراجعة حساباتها، لأن مثل هذه الخدمات تسهل على التواطؤ و التلاعب بالأرقام. لكن الذي حدث، هو تهديد هذه الشركات ل Levitt بإعلان الحرب عليه اذا استمر بالمطالبة بذلك. لذلك، قامت الشركات الخمس بالضغط على أعضاء الكونجرس بحزبية على تقليص ميزانية “SEC”، والتي كانت مرهقة ماليا من الأساس. هذا جعل Levitt يواجه مساءلة من قبل الكونغرس ومن قبل وسائل الاعلام عن عجزه في ادارة SEC مما دفعه لتقديم استقالته في عام ٢٠٠٠، وبالتالي التخلص من المطالبات بالقيود القانونية على شركات المحاسبة.
بعد ذلك، بأقل من عام، ظهرت ما تسمى بـ فقاعة سوق الاسهم، والتي تعني ان الشركات متضخمة ماليا ليس لان ايرادتها حقيقية وتحقق نجاح اقتصادي، وإنما بسبب التلاعب في التقارير المالية مما ادى الى ظهور فضائح كتبت في تاريخ الاقتصاد الأمريكي والعالمي، والمتمثل في انهيار شركة Enron و شركة WorldCome. وترتب عليه بركود اقتصادي، كما يسميه البعض الاخر ازمة اقتصادية أثرت بشكل سلبي على هروب المستثمرين المحليين و الدوليين من الاستثمار في الاسواق الامريكية. لذلك بدأت امريكا بالاهتمام بسن قوانين رقابية على حسابات الشركات وعلى شركات المحاسبة، واصبحت الحوكمة الرشيدة ضرورة اقتصادية وليست ترف اقتصادي، اعطاء SEC صلاحيات رقابية اكثر، وذلك كله من اجل اعادة بناء الثقة بالاقتصاد الامريكي من جديد.
إذا، مسألة الثقة هي ليست مسألة تنظرية، وليست عبارة عن شعارات منمقة لمنظومة القيم والأخلاق المهنية. الاهتمام برفع معدل الثقة في المؤسسات على مستوى المؤسسة ذاتها مطلب ذات صلة وثيقة بالاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي. الاهتمام بمنظومة رفع ثقة العاملين برؤسائهم، وثقة اصحاب المصالحة بالمؤسسات سينعكس على أداء المؤسسات خاصة كانت او عامة، وهذا يعني جذب المستثمرين من الداخل والخارج لكون ان السوق الاقتصادي سوق موثوق ونتائجه المالية سهل التنبؤ بها. وهذا ما يجب أن نهتم به لتحقيق أهداف رؤية 2030 عندما نتحدث عن بناء سوق مالي عالمي موثوق، وبيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار بكافة جنسياته.
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال