الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تحدثنا في مقال سابق عن مميزات طاقة الأرض الحرارية واستخداماتها (المقال). وذكرنا أن لها مميزات مُلفتة للنظر وكثيرة بحيث يصعب معها عدم اتخاذ قرار بدراستها عن قرب والنظر بجدية في إمكانية دمجها بمزيج الطاقة واستخدامها وإزاحة الملايين من براميل النفط المكافئة والحفاظ عليها لاستخدامات تكون أكثر فائدة للمملكة وأقل خطرا على المناخ.
نشر البنك الدولي سنة 2012 تقريرا مفصلا عن طاقة الأرض الحرارية واستخداماتها والطرق المثلى لإطلاق هذه الطاقة المتجددة. سأل البنك الدولي في هذا التقرير السؤال التالي: “إنه بالنظر إلى المميزات المتعددة لطاقة الأرض الحرارية فإنه يصعب على المرء أن لا يسأل، لماذا ما تزال هذه الطاقة المتجددة لم تُستغل في أنحاء العالم الاستغلال الأمثل الذي يوازي مميزاتها؟ “ (1)
إن طاقة الأرض الحرارية هي مصدر طبيعي ومتجدد وموجود مجّانا حتى يرث الله الأرض ومن عليها. فلماذا لا يزال مجموع الطاقة الكهربائية المركبة باستخدامها في جميع أنحاء العالم هو 16 جيجاوات فقط؟ بالرغم من أن جميع المشاريع الحالية تتمتع بالسمعة الحسنة والموثوقية العالية. حتى أن مشاريع توليد الطاقة الكهربائية باستخدام طاقة الأرض الحرارية كانت المشاريع الوحيدة التي صمدت واستمرت في العمل أمام التسونامي الشهير في اليابان. وهي أيضا الوحيدة التي تصمد أمام العواصف الموسمية العاتية في جزر البحر الكاريبي. ثم لماذا يمتنع القطاع الخاص عن الاستثمار في مشاريع طاقة الأرض الحرارية بالرغم من أن أول مشروع لتوليد الطاقة الكهربائية باستخدام طاقة الأرض الحرارية ابتدأ في سنة 1904 وما زال يعمل، لمدة تخطت العمر الإفتراضي لأي مشروع آخر لتوليد الطاقة الكهربائية، بموثوقية عالية ويتطور إلى اليوم؟
هناك عدة أسباب رئيسية لتراجع دول العالم عن الاهتمام بطاقة الأرض الحرارية أدّت إلى إمتناع القطاعين العام والخاص عن الاستثمار فيها بالرغم من جميع مزاياها.
أولا فإن عملية البحث والتنقيب عن مكامن طاقة الأرض الحرارية الكامنة تحت سطح الأرض هي عملية شبيهة بالتنقيب عن حقول النفط وتتصف بالخطورة الاقتصادية العالية. فقد ينفق المستثمر ملايين الدولارات في التنقيب عن مكمن حراري معين ثم لا يجده أو يجد أن مواصفاته الفنية لا تكفي لتوليد كمية مناسبة اقتصاديا من الطاقة الكهربائية. بحسب تقرير البنك الدولي المذكور(1) فإن متوسط التكلفة المالية لمرحلة التنقيب عن مكمن حراري معين تمثل حوالي 15٪ من إجمالي التكلفة المالية لجميع مراحل مشروع توليد الطاقة الكهربائية، إلا أن هذه المرحلة وحدها تمثل حوالي 60٪ من إجمالي المخاطرة الاقتصادية للمشروع. وهذا سبب رئيسي في إحجام البنوك عن تمويل هذه المرحلة (مرحلة التنقيب عن المكمن الحراري) في مشاريع توليد الطاقة الكهربائية باستخدام طاقة الأرض الحرارية. وهي مرحلة مهمة وليس بالإمكان الاستغناء عنها. وبالتالي يُحجم القطاع الخاص عن الإقبال على مثل تلك المشاريع وتحمُّل الخطورة الاقتصادية العالية.
والسبب الثاني في إحجام القطاعين العام والخاص عن مشاريع توليد الطاقة الكهربائية بإستخدام طاقة الأرض الحرارية هو ارتفاع التكاليف الرأسمالية لإنشاء المشروع والتي تبلغ في المتوسط أكثر من 350٪ من مشاريع توليد الكهرباء باستخدام الوقود الأحفوري. إن ارتفاع التكاليف الرأسمالية لتنفيذ المشروع يستدعي الحصول على قروض عالية وطويلة الأجل قد لا يتمكن مقدم الخدمة الكهربائية في الحصول عليها أو أنه، في حال تمكنه من الحصول عليها، يجد نفسه مضطرا لاستخدامها في مشاريع لتوليد الطاقة الكهربائية تكون أقل تكلفة وأكبر سعة بغض النظر عن الالتزامات الدولية للمناخ كاتفاق باريس.
ومن الأسباب الأخرى التي من الممكن أن تؤثر في الإقبال على مشاريع توليد الطاقة الكهربائية باستخدام طاقة الأرض الحرارية هو أن موقع مشروع توليد الطاقة الكهربائية يجب أن يكون في مكان المكمن الحراري في باطن الأرض لأن الابتعاد كثيرا عن موقع المكمن سوف يؤثر على درجة حرارة البخار أو السائل المُستخرج وكذلك معدل التدفق (flow rate). وهذا من شأنه أن يضيف تكلفة إضافية على التكلفة الإجمالية للمشروع. فلو افترضنا اكتشاف مكمن حراري جاهز لتوليد الطاقة الكهربائية في وسط الربع الخالي مثلا. فإن توصيل الطاقة الكهربائية بالشبكة الوطنية لنقل الكهرباء ستكون عملية مكلفة ولها تأثير سلبي على اقتصاديات المشروع.
وقد يكون من الأسباب المهمة أيضا لعدم اهتمام القطاعين العام والخاص بمشاريع طاقة الأرض الحرارية هو سهولة وسرعة تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وكذلك المخاطرة الاقتصادية لتلك المشاريع تعتبر ضئيلة ولا تقارن أصلا بالمخاطرة الاقتصادية في مشاريع طاقة الأرض الحرارية. أضف إلى ذلك التناقص المستمر لتكلفة توليد الكيلو وات ساعة. كل ذلك يجعلها مشاريع يسهل الإقبال عليها من القطاع الخاص وهذا أيضا قد يدفع بالقطاع العام إلى تأجيل النظر في مشاريع طاقة الأرض الحرارية والاهتمام بالمشاريع سهلة التنفيذ وقليلة المخاطرة الاقتصادية للوصول إلى أهداف رؤية المملكة 2030 فيما يخص تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وإيجاد مصادر أخرى للدخل.
باختصار، هذه هي أهم الأسباب الرئيسية التي أدت إلى إحجام القطاعين العام والخاص عن مشاريع توليد الطاقة الكهربائية باستخدام طاقة الأرض الحرارية في مختلف دول العالم. وسوف نناقشها فيما يخص مملكتنا الحبيبة في مقال لاحق إن شاء الله.
——
(1) المصدر: Geothermal Handbook: Planning and Financing Power Generation
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال