الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
تحدثنا في المقال السابق عن العلاقة الوثيقة التي تربط بين نشأة وانتشار وسائل الإعلام الجديد والطفرة الرأسمالية التي طالت تكنولوجيا الإعلام والإتصال، وهو ما انعكس على هيمنة ملحوظة للمؤسسات الإقتصادية العاملة في مجال التكنولوجيا ، مثل شركة “فيس بوك” وهيمنتها على مجال التواصل الاجتماعي، وشركة “جوجل” وسيطرتها على مجال محركات البحث، فضلاً عن التفوق الهائل لهذه الوسائل الحديثة على وسائل الإعلام التقليدية التي دخلت دائرة المعاناة نتيجة تراجع الإقبال على خدماتها لحساب ما أفرزته تكنولوجيا الإتصال الحديثة من وسائط وتطبيقات ، فلاحظنا وفي الفترة الأخيرة أن شركتا “فيس بوك” و”جوجل” قد دخلت في علاقات تعاقدية مع عدد من مؤسسات الإعلام التقليدي، وكانت هاتان الشركتان هما الرابحتين الكبريين من جراء تلك العلاقة.
إذ دخلت شركة “جوجل” نهاية العام الماضي في عملية تفاوضية مع بعض شركات النشر والإعلام العالمية الكبرى مثل: “تايمز”، و”سي إن إن”، في إطار مشروع جوجل الجديد الذي يستهدف توجيه القراء من محرك البحث “جوجل” إلى المواد الإعلامية الصادرة عن وسائل إعلام متحالفة مع “جوجل” بسرعة تنافسية مقارنة بغيرها، وذلك عبر الهواتف الذكية؛ وهو ما يكشف عن مساحة متنامية للسيطرة والنفوذ الذي تمارسه هاتين الشركتين العملاقتين على وسائل الإعلام التقليدية، وخاصة مع تراجع إيراداتها من الدعاية والإعلانات في ظل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم منذ 2009.
إضافة إلى ذلك، فإن الإعلام الجديد -وكما نعرف- يتميز بدمج الوسائل المختلفة القديمة والمستحدثة في مكان واحد ، على منصة الكمبيوتر وشبكاته ، وما ينتج عن ذلك الاندماج من تغيير انقلابي للنموذج الاتصالي الموروث بما يسمح للفرد العادي إيصال رسالته إلى من يريد في الوقت الذي يريد بطريقة واسعة الاتجاهات، وليس من أعلى إلى أسفل وفق النموذج التقليدي.
هذا فضلاً عن تبني هذا الإعلام للتكنولوجيا الرقمية وحالات التفاعلية والتشعبية وتطبيقات الواقع الافتراضي وتعددية الوسائل وتحقيقه لميزات الفردية والتشخيص وتجاوزه لمفهوم الدولة الوطنية والحدود الدولية.
وفي تصوري فقد اقترنت تلك الهيمنة بدورها بسياسة إملاء الشروط على مؤسسات الإعلام التقليدي؛ فبحسب تقرير لـ”بلومبيرغ”، فإن لدى “فيس بوك” نحو ملياري مشترك، ولدى “جوجل” 7 منتجات بأكثر من مليار مستخدم لها شهريًا ، وهو ما يعزز موقفها التفاوضي مع المؤسسات الأخرى.
والجدير بالذكر– أيضًا – أن ثمانية عشر شركة أميركية تعمل في مجال الإلكترونيات تسيطر على نحو ما يقرب 75% من الإنتاج الصناعي الإلكتروني العالمي في مجال أجهزة الاتصال، بجانب ذلك، فإن 97% من أجهزة التلفزيون، و87% من أجهزة الراديو، و95% من مصادر الأخبار في دول العالم الثالث، مستوردة من دول تتبنى النهج الرأسمالي (الاقتصاد الحر)، في حين تنتج الولايات المتحدة وحدها ما بين 60-70% من إجمالي الإنتاج في هذا المجال ، كما تسيطر 5 شركات فقط على نحو 80% من الإنتاج الأميركي في مجال الدوائر الإلكترونية.
فلم تعد عولمة الإعلام – ووفقاً لهذة الإحصاءات- مجرد أداة أيديولوجية، بل أصبحت جزءًا أصيلاً من عولمة الاقتصاد.
وهنا يبرز تساؤل مهم اعتبر الإجابة عنه قضية هامة من قضايا تبعات ومحددات اقتصاديات الإعلام الجديد وهو:
إلى أي مدى يتسع نطاق الحرية الإعلامية مع اتساع نطاق الهيمنة الرأسمالية على صناعة الإعلام الجديد، والتطور التكنولوجي الذي يخضع لسيطرة احتكارية لكبار الرأسماليين من أمثال: “بيل جيتس”، و”روبرت ميردوخ”، و”جان لاغاردي”؟
وتمثل تلك إشكالية جديدة وخطيرة في مجال اقتصاديات صناعة الإعلام، فالعلاقة بين سطوة الاقتصاد وحرية الإعلام ، ستطرح نفسها بقوة أكبر في الفترات القادمة، خاصة مع التعاظم المتزايد لهذه المجموعات الاحتكارية وسطوتها على وسائل الإعلام.
وهذا ما سنجيب عنه في المقال القادم .
الناشر: شركة مال الإعلامية الدولية
ترخيص: 465734
©2025 جميع الحقوق محفوظة وتخضع لشروط الاتفاق والاستخدام لصحيفة مال